في حقيبةٍ لا يراها أحد.. مهرجٌ يحمل فقده ويبتسم!
تاريخ النشر : 2026-08-16 11:15
الشاب أحمد أبو سكر

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يبقَ لأحمد أبو سكر (28 عامًا) في مخيم البريج وسط قطاع غزة، بيتٌ يعود إليه، ولا عائلة ينتظر أن تفتح له الباب حين يطول غيابه، الحرب أخذت منه الجميع تقريبًا: والده وشقيقه وشقيقته وأبناءها، أما والدته فكان قد فقدها قبل ذلك بسنوات.

مع ذلك، يخرج أحمد كل يوم بحقيبة صغيرة، يضع فيها ألوانه وأدواته، ويرتدي زي المهرج، ثم يمضي بين الخيام ومناطق النزوح وأحياء غزة التي أثقلها الركام، باحثًا عن أطفال يمكن أن يمنحهم دقائق قليلة من الضحك.

في المكان الذي صار فيه الخوف جزءًا من تفاصيل الطفولة، يقف أحمد أمام الصغار بوجهٍ ملون وملابس زاهية، يمازحهم، يلاعبهم، ويرسم على وجوههم ملامح الفرح. يضحكون، يلتقطون الصور، ويلتف بعضهم حوله، فيما يبقى وراء ذلك كله رجل يحمل في داخله حزنًا لا يراه الأطفال.

يقول أبو سكر لـ"نوى": "في حرب الإبادة فقدت والدي وشقيقي، وشقيقتي وأبناءها، أما والدتي فتوفيت عام 2010م"، متابعًا: "أعمل مهرجًا؛ لأن أطفال غزة بحاجة إلى الفرح، والناس جميعًا بحاجة إلى من يخفف عنهم هذا الألم".

قبل الحرب، كان أحمد يعرف معنى أن يعود الإنسان إلى بيته فيجد أهله بانتظاره. كان يعرف تفاصيل الحياة العادية التي تبدو اليوم -بالنسبة إليه- أشبه بشيء بعيد. يضيف بحسرة: "كنت أعود إلى البيت فأجد أهلي بانتظاري، أما اليوم فأرجع لا أجد بيتًا ولا أهلًا".

حتى البيت الذي لم يعد قائمًا إلا في ذاكرته، ما زال قادرًا على استدعاء وجوه الغائبين عنه، كلما خطا أحمد نحو منزله الآيل للسقوط، عادت إليه ملامح أفراد عائلته، كأن الغياب لم يستطع أن يخرجهم تمامًا من المكان.

يقول: "العائلة هي كل شيء في هذه الحياة. عندما أدخل إلى البيت ولا أجد أحدًا، أبقى أنتظر طلوع الصباح لأغادر، لأنني لا أستطيع تحمّل البقاء وحيدًا".

ولم يأخذ القصف من أحمد عائلته ومنزله فقط، فقد طال أيضًا أدوات عمله، ودفن معه ما يحتاجه ليواصل مهنته التي كان يلجأ إليها في صناعة الفرح، وحتى زي المهرج الذي يرتديه اليوم، انتشله من بين الركام.

يقول: "واجهت صعوبات كبيرة في العودة إلى عملي، فلم تعد هناك ألعاب أو أدوات للتنشيط، لكننا نصنع الأمل من لا شيء، ونحاول أن نرسم الفرح على وجوه الأطفال بما هو متاح".

لهذا تبدو مهمة أحمد أكثر قسوة من مجرد ارتداء زي مهرج، فهو يقف أمام أطفال يعرفون جيدًا ما يعنيه الفقد، وبعضهم لم يعد يملك والدًا أو أمًا أو أحدًا من أفراد أسرته، بينما يحمل هو قصته الخاصة مع الفقد في حقيبته التي لا يراها أحد.

يشارك أحمد في حفلات مخصصة للأطفال الذين فقدوا ذويهم أو أصيبوا خلال الحرب، وبينهم أطفال فقدوا أطرافهم. وحين يقف أمامهم، لا يرى نفسه بعيدًا عنهم، فهو أيضًا صاحب فقد، لكنه يعتقد أن هؤلاء الأطفال يحتاجون في هذه اللحظة إلى يد تمتد نحوهم أكثر من أي وقت مضى.

وبمجرد أن يظهر بزي "عمو سكر"، تتغير ملامح المكان: يقترب الأطفال منه، يسلّمون عليه، يطلبون التقاط الصور معه، ويضحكون. تلك اللحظات البسيطة التي قد تبدو عابرة لمن يراها، أصبحت بالنسبة إلى أحمد سببًا كافيًا ليواصل.

لكن الضحك بينهم لا يعني أن أحمد نسي، ففي كل مرة يقف فيها أمام الأطفال، تستيقظ في داخله صور أخرى لأيام كان يقيم فيها عروضه قرب منزل شقيقته، حين كان الأطفال يملأون المكان بالحركة والضجيج، قبل أن تصمت البيوت ويغيب أصحابها.

يقول: "أحيانًا أشعر أن الأطفال الذين أمامي هم أولئك الذين كانوا يشاركونني اللعب قبل الحرب.. أكاد أبكي، لكنني أمسك دموعي في اللحظة الأخيرة".

ثم يصمت قليلًا قبل أن يشرح ما الذي يدفعه إلى إخفاء ذلك الحزن: "أنا مثلهم، أحمل وجعًا كبيرًا، لكنني لا أريدهم أن يروا حزني.. أريدهم أن يروا شخصًا يصنع لهم السعادة، ويمنحهم لحظة ينسون فيها الحرب، ولو قليلًا".

ليس أحمد وحده من اختار أن يجعل من الابتسامة طريقة لمواجهة ظروف الحرب، ففي مكان آخر من القطاع يواصل المهرج علاء مقداد، المعروف بين الأطفال باسم "علوش"، الوقوف في الجهة نفسها من المعركة.. الجهة التي لا تحمل سلاحًا، وإنما ألوانًا وألعابًا وضحكة.

يبلغ علاء من العمر 40 عامًا، ويحمل وراءه 23 عامًا من العمل في مجال الترفيه ورسم البسمة على وجوه الأطفال.

ولم يكن قصر قامته -كما يقول- عائقًا أمام ما اختار أن يفعله طوال هذه السنوات، فقد تنقل بين رياض الأطفال والمدارس والمستشفيات والمناطق المهمشة والحدودية، حاملًا عروضه إلى الأماكن التي يحتاج فيها الأطفال إلى مساحة للفرح.

يخبرنا أن الحروب المتكررة التي عاشها قطاع غزة لم تستطع انتزاع الأمل من قلبه، بل جعلته أكثر إصرارًا على نشر التفاؤل والمحبة بين الأطفال وعائلاتهم، من خلال اللعب والمرح والابتسامة.

وحين اندلعت الحرب، لم يتوقف "علوش" عن عمله، وإن تغيّرت الأماكن التي يؤدي فيها عروضه. كانت إحدى أولى مبادراته خلال الحرب في مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في رفح، بعد نزوحه مع عائلته من مخيم الشاطئ، وهناك، وسط أجواء النزوح والخوف، حاول أن يستعيد للأطفال شيئًا من عالمهم الذي سلبته الحرب.

لاحقًا، تنقل بين خيام النازحين والمدارس التي تحولت لمراكز إيواء ومستشفيات الجرحى، بالتعاون مع مبادرات وجمعيات تُعنى بالدعم النفسي، وحتى مجمع الشفاء الطبي، الذي عاش داخله لحظات عصيبة أثناء قصفه، كان جزءًا من تجربته خلال الحرب.

يقول إن ابتسامات الأطفال، وكلمات الشكر التي كان يسمعها من الأهالي، منحته دافعًا إضافيًا للاستمرار، وكلما استقبله النازحون والأطفال بالهتاف باسمه، شعر أن ما يفعله، رغم بساطته، يترك أثرًا.

ولم تتوقف عروض "علوش" عند الأطفال وحدهم. فقد حمل ألوانه وضحكاته إلى مرضى السرطان والكلى والجرحى أيضًا.. وإلى كل الذين يقضون أيامهم بين الألم والعلاج والخوف، ويحتاجون، مثل الأطفال، إلى لحظة تخفف عنهم وطأة ما يعيشونه.

يرى علاء أن الابتسامة قد تكون دواءً من نوع آخر، لا تحل محل العلاج الحقيقي، لكنها تمنح المريض والطفل والنازح فسحة قصيرة من حياة تبدو الحرب مصرة على انتزاعها منهم.

يرى علاء أن الابتسامة قد تكون دواءً من نوع آخر، لا تحل محل العلاج الحقيقي، لكنها تمنح المريض والطفل والنازح فسحة قصيرة من حياة تبدو الحرب مصرة على انتزاعها منهم.

وبين "عمو سكر" الذي فقد عائلته ثم خرج يبحث عن أطفال يضحكون، و"علوش" الذي حمل مهنته معه من مخيم إلى مدرسة ومستشفى وخيمة، تبدو الابتسامة في غزة أكثر من مجرد لحظة فرح، إنها محاولة صغيرة لاستعادة شيء من الحياة، في مدينةٍ أخذت الحرب منها الكثير.