الجريمة تتمدّد في "الداخل".. صارَ "الرصاص" سُلطة!
تاريخ النشر : 2026-08-12 08:30

الداخل الفلسطيني/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في البلدات الفلسطينية بالداخل المحتل، لم يعد صوت الرصاص خبرًا عابرًا ينتهي بتوقفه.. صار خوفًا يسكن البيوت، وقلقًا يرافق الأهالي إلى أعمالهم.

لم تعد جرائم القتل والعنف حوادث فردية يمكن عزلها عن سياقها، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة أكثر تنظيمًا، تدفع عائلات الضحايا ثمنها بما لا يتوقف عند فقدان أفرادها وحسب، بل بآثار نفسية واجتماعية تلازمها لسنوات.

خلف كل رصاصة ضحية، لكن خلف الضحية عائلة كاملة تتغير حياتها إلى الأبد. ومع اتساع دائرة العنف، لم يعد الخطر في الجريمة وحدها، بل في تحول السلاح من أداة للقتل إلى وسيلة للقوة وفرض الحضور، وفي انتقال الجريمة من خلافات فردية ومواجهات محدودة إلى حالاتٍ أكثر تنظيمًا تسعى إلى بناء نفوذ داخل المجتمع!

عرف المجتمع الفلسطيني في الداخل أشكالًا مختلفة من الجريمة، لكنها لم تتحول إلى منظومة قادرة على فرض نفوذها أو على التدخل في تفاصيل الحياة اليومية.

عرف المجتمع الفلسطيني في الداخل أشكالًا مختلفة من الجريمة، مثل تجارة المخدرات والسرقات وجرائم القتل الفردية، لكنها بقيت لفترات ضمن نطاق محدود، ولم تتحول إلى منظومة قادرة على فرض نفوذ واسع أو على التدخل في تفاصيل الحياة اليومية، غير أن التحول الأكبر جاء مع صعود الجريمة المنظمة داخل "إسرائيل" منذ تسعينيات القرن الماضي، حين بنت عصابات المافيا شبكات نفوذ اقتصادي واجتماعي، وسيطرت على مجالات مثل القمار والمخدرات وتحصيل "الخاوة".

ومع اتساع الصراع بين هذه العصابات، تصاعدت جرائم العنف المنظمة، وشملت عمليات تصفية وتفجيرات وجرائم مرتبطة بالصراع على السيطرة، وأمام هذه الموجة، بدأت السلطات الإسرائيلية التعامل معها باعتبارها تهديدًا أمنيًا أوسع، خصوصًا بعدما انتقلت بعض الجرائم إلى المجال العام وأصبحت تؤثر على صورة الدولة وأمنها الداخلي.

وفي بداية الألفينات، شنت السلطات الإسرائيلية حملات أمنية استهدفت عددًا من هذه العصابات، وشاركت فيها جهات حكومية عدة، كان في مقدمتها الشرطة ووزارة الأمن الداخلي، انتهت باعتقال عدد من قادتها وإدخالهم إلى السجون لفترات طويلة.

تفكيك تلك الشبكات لم ينهِ عالم الجريمة المنظمة، بل ترك فراغًا سرعان ما بدأت مجموعات إجرامية عربية بملئه، وتشكيل شبكات محلية توسعت تدريجيًا!

لكن تفكيك تلك الشبكات لم ينهِ عالم الجريمة المنظمة، بل ترك فراغًا سرعان ما بدأت مجموعات إجرامية عربية بملئه، وتشكيل شبكات محلية توسعت تدريجيًا.

وفي الوقت الذي ركزت فيه السلطات الإسرائيلية على الجرائم التي أثرت بصورة مباشرة على المجال العام الإسرائيلي، بقيت الجريمة المتصاعدة داخل البلدات الفلسطينية خارج دائرة الاهتمام بالمستوى ذاته، الأمر الذي ساهم في تراكم الظاهرة وتوسعها، حتى بدأت تتجاوز حدود الجرائم التقليدية إلى بناء منظومات تمتلك المال والسلاح والقدرة على فرض النفوذ.

ويقول المحامي ومدير مركز "ريان" لمناهضة الجريمة، رضا جابر لـ"نوى": "إن الجرائم التقليدية كانت موجودة، لكنها لم تكن تشكل تهديدًا عميقًا للمجتمع". أما التحول الأساسي -بحسبه- فحدث عندما تطورت الجريمة إلى منظومة تحاول فرض سيطرتها، مستفيدة من "الفراغ السلطوي" وضعف تطبيق القانون.

ويضيف جابر: "الجريمة لم تعد تبحث عن الأرباح فقط، بل بدأت بالتأثير في المناقصات والوظائف والعلاقات داخل البلدات الفلسطينية، مستفيدة من القوة المالية وانتشار السلاح، وبذلك، لم يعد نفوذها محصورًا في الشارع أو في النشاط الإجرامي المباشر، وإنما بدأ يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى مساحات يفترض أن يحكمها القانون والمؤسسات".

ومع هذا التحول، بدأت أعداد الضحايا تكشف حجم الأزمة التي تتسع عامًا بعد آخر، فقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا حادًا في أعداد ضحايا الجريمة، وتحولت جرائم إطلاق النار والعنف المنظم إلى واقع يهدد فئات مختلفة من المجتمع، فيما تتوالى الأسماء والأرقام وتترك خلفها عائلات تحمل آثار الفقد والخوف.

وخلال عام 2024م، قُتل 224 فلسطينيًا في الداخل، جراء جرائم شملت إطلاق النار والطعن وتفجير العبوات واستهداف المركبات.

استمرت موجة العنف خلال عام 2025م، إذ قُتل 253 شخصًا في البلدات الفلسطينية بالداخل، بينهم 23 امرأة.

واستمرت موجة العنف خلال عام 2025م، إذ قُتل 253 شخصًا في البلدات الفلسطينية بالداخل، بينهم 23 امرأة، لكن الأرقام، مهما كانت صادمة، لا تختصر ما تتركه الجريمة خلفها، فكل ضحية تترك عائلة كاملة تواجه الفقد والخوف والاضطراب النفسي والاجتماعي، وتجد نفسها أمام حياة جديدة لم تخترها، تدفع فيها ثمن جريمة لم ترتكبها.

في مدينة طمرة، قُتل أحمد حجازي في 2 شباط/فبراير 2021م، بعدما خرج من منزل عائلته لزيارة أصدقائه.

كان أحمد طالب تمريض في مرحلة متقدمة من دراسته، ولم يتبقَّ أمامه سوى أشهر قليلة للتخرج، وفق شقيقه جبر الذي قال: "توجه أحمد إلى منزل صديقه، حيث كان عدد من الشبان مجتمعين، قبل أن يُسمع إطلاق نار في الحي. خرج أحمد لمعرفة ما يحدث، فأصيب وقُتل خلال الحادثة".

الرصاصة التي أنهت حياة أحمد لم تنهِ الحكاية، فشقيقه عناد تدهورت حالته النفسية وأصبح بحاجة إلى علاج، فيما وجدت زوجته نفسها أمام أعباء الحياة وحدها.

وبحسب جبر، أفاد شهود بأن إطلاق النار كان بين الشرطة الإسرائيلية  ومشتبه بهم، وأن أحمد قُتل خلال الحادثة، الأمر الذي أبقى لدى العائلة تساؤلات حول ظروف مقتله.

الرصاصة التي أنهت حياة أحمد لم تنهِ الحكاية؛ فقد بدأت بعدها مأساة أخرى داخل العائلة، فشقيقه عناد تدهورت حالته النفسية بعد مقتله، وأصبح بحاجة إلى علاج وأدوية مستمرة، فيما وجدت زوجة أحمد نفسها أمام أعباء الحياة بعد فقدان زوجها.

وكانت والدة أحمد تحمل حلمًا بسيطًا مثل آلاف الأمهات: أن ترى ابنها وقد أنهى دراسته وارتدى معطفه الأبيض ممرضًا، ولهذا، يرى جبر أن الحديث عن الجريمة بالأرقام وحدها لا يعكس حجم الخسارة، لأن كل قتيل يترك خلفه عائلة تتأثر بغيابه، من الأطفال والزوجات إلى الآباء والأمهات.

ويتحدث نزار ذياب، عم الشاب أحمد ذياب، عن مقتل ابن شقيقه بعد عودته من عمله: "كان أحمد يعمل في مجال المحاسبة، وعاد من عمله قبل أن يُستهدف بإطلاق النار ويفارق الحياة متأثرًا بإصابته".

لكن أثر الجريمة على العائلة لم يتوقف عند لحظة الوفاة، إذ يصف العم ما تركه فقدان أحمد بقوله: "خوف تسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، ولم يعد يتركنا حتى في الأماكن التي يفترض أن تكون عادية وآمنة".

بالنسبة إلى ذياب، لا يمكن اختزال المأساة في اسم الضحية أو رقم يضاف إلى حصيلة القتلى؛ لأن فقدان شخص واحد يترك آثارًا ممتدة على جميع أفراد الأسرة، ويعيد تشكيل حياتهم من بعده، ويزرع في تفاصيلها خوفًا دائمًا من أن يتكرر ما حدث.

وحول تعامل الشرطة مع الجريمة، يتابع: "العائلة شعرت بأن الشرطة لم تكن إلى جانبها بالشكل المطلوب، وهو شعور يضيف إلى ألم الفقد إحساسًا آخر بالعجز وانعدام الحماية".

حين يصبح السلاح طريقًا لحسم الخلاف، تتغير قواعد العلاقة بين الناس. فبدل أن يكون القانون هو المرجع، يصبح الخوف عاملًا حاسمًا.

ولا تتوقف خطورة الجريمة عند عدد من يسقطون ضحايا لها، بحسب جابر، بل تمتد إلى ما تفعله داخل المجتمع نفسه، فهو يرى أن أخطر ما وصلت إليه الظاهرة ليس ارتفاع أعداد الضحايا فقط، بل تحول العنف إلى وسيلة لحل الخلافات، بعدما أصبح السلاح والتهديد بديلًا عن القانون لدى بعض الأشخاص.

حين يصبح السلاح طريقًا لحسم الخلاف، تتغير قواعد العلاقة بين الناس. فبدل أن يكون القانون هو المرجع، يصبح الخوف عاملًا حاسمًا، ويبدأ بعض الأشخاص بالنظر إلى القوة باعتبارها وسيلة لحماية مصالحهم أو فرض كلمتهم، وهنا -بحسب جابر- لا تعود الجريمة فعلًا معزولًا، بل تتحول إلى جزء من الحياة الاجتماعية.

ويربط جابر انتشار الجريمة أيضًا بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مشيرًا إلى وجود شباب يعانون من الفقر أو التسرب من التعليم أو صعوبة دخول سوق العمل، إلى جانب أزمات عائلية واجتماعية، ما يجعل بعضهم أكثر عرضة للانضمام إلى شبكات الجريمة.

"حين يغيب العمل وتتراجع فرص التعليم، ويجد الشاب نفسه محاصرًا بالتهميش، قد يجد في عالم الجريمة ما يبدو طريقًا إلى المال والقوة والانتماء".

ويقول: "عالم الجريمة يوفر لبعض هؤلاء الشباب دخلًا سريعًا وشعورًا بالقوة والمكانة، في ظل غياب بدائل اجتماعية واقتصادية كافية، فحين يغيب العمل وتتراجع فرص التعليم، ويجد الشاب نفسه محاصرًا بالتهميش، قد يجد في عالم الجريمة ما يبدو -ولو بصورة مؤقتة- طريقًا إلى المال والقوة والانتماء".

ولا يقتصر الأمر على المال، إذ تمنح الجريمة بعض الشباب شعورًا بالمكانة والقوة، وتتيح لهم فرض الخوف على الآخرين، ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا من مجرد ملاحقة جنائية للمجرمين.

وفي ظل اتساع الظاهرة، برز الحديث عن إدخال جهاز ما يسمى بالأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" إلى البلدات الفلسطينية لمواجهة الجريمة، ويرى جابر أن هذه الخطوة تعكس استمرار التعامل مع المجتمع العربي من منظور أمني، بدل النظر إليه من زاوية المواطنة والحقوق.

"معالجة الظاهرة تحتاج إلى تطبيق القانون بشكل متساوٍ، ومواجهة الفقر والتهميش، وتوفير فرص التعليم والعمل".

ويؤكد أن معالجة الظاهرة تحتاج إلى تطبيق القانون بشكل متساوٍ، ومواجهة الفقر والتهميش، وتوفير فرص التعليم والعمل، "فمواجهة الجريمة لا يمكن أن تبدأ من السلاح وحده وتنتهي عنده، لأن السلاح نتيجة لمسار أوسع من الفراغ الاجتماعي والاقتصادي وضعف الحماية القانونية".

وبحسب جابر، فإن أخطر ما تتركه الجريمة المنظمة هو تحول القوة إلى وسيلة للتعامل داخل المجتمع، بما يضعف الثقة بالقانون ويفرض على العائلات العيش تحت تهديد مستمر.

وبين ارتفاع أعداد الضحايا، وانتشار السلاح، وتوسع شبكات الجريمة، تبدو الأزمة أكبر من كونها ملفًا أمنيًا يمكن حله بحملات مؤقتة أو إجراءات محدودة، "إنها أزمة تمس شكل العلاقات الاجتماعية، ومستقبل الشباب، وثقة الناس بالقانون، وحياة عائلات كاملة تواصل دفع ثمن جرائم لا ذنب لها فيها".