وقود تحت الحصار.. أزمة السولار تعيد تشكيل الحياة بغزة!
تاريخ النشر : 2026-08-06 17:34

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يعد السولار في قطاع غزة مجرد مادة تُشغّل المركبات والمولدات، بل تحوّل إلى شريان يحدد إيقاع الحياة اليومية.

فمنذ اشتداد الحصار، لم تعد الأزمة تقاس بعدد اللترات المتوفرة، بل بما خلّفته من تبدلات في تفاصيل العيش: كهرباء تنقطع، ومياه تتأخر، ووسائل نقل تتعطل، وأسر تعيد ترتيب يومها كله بحثًا عن ساعة تشغيل أو شحنة هاتف أو بضع لترات من الوقود.

وفي مواجهة هذا الواقع، لم يجد كثيرون سوى اللجوء إلى بدائل فرضتها الضرورة، حتى ظهرت ورش تنتج وقودًا من البلاستيك، وانتشرت روايات عن استخدام مواد مختلفة في تنقيته، بينما بقيت الحقيقة الأوضح أن سكان القطاع باتوا يدفعون ثمن أزمة تتجاوز نقص الوقود إلى إعادة تشكيل الحياة بأكملها.

في أحد مراكز النزوح بدير البلح، وسط قطاع غزة، يختصر أحمد محسن أثر الأزمة بقوله: "السولار لم يعد يعني تشغيل سيارة أو مولد كهربائي فحسب، بل أصبح حاضرًا في كل تفاصيل يومي".

شح الوقود (والحديث لمحسن) انعكس على الكهرباء والمياه والمواصلات، ورفع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، مضيفًا: "الحصول على الكهرباء من المولدات الخاصة أصبح عبئًا إضافيًا على الأسر، إذ تصل تكلفة الكيلوواط إلى نحو 25 شيكلًا، بينما ارتفعت أسعار السلع والخدمات مع ازدياد تكاليف النقل والتشغيل".

ويزيد: "حتى شحن الهاتف أو حفظ الطعام أو توفير المياه يحتاج اليوم إلى تخطيط مسبق"، مشيرًا إلى أن عمله ومصدر دخله تضررا أيضًا بسبب صعوبة التنقل وتعطل الخدمات المرتبطة بالكهرباء والإنترنت.

ولا تبدو هذه المعاناة منفصلة عن حجم العجز في الوقود، فرئيس هيئة البترول في قطاع غزة محمد السكافي يؤكد أن القطاع يعيش نقصًا يقترب من 70% مقارنة بالكميات التي كانت تدخل قبل الحرب.

وبعدما كان متوسط ما يصل إلى غزة نحو 15 مليون لتر شهريًا، باستثناء الوقود المخصص لمحطة توليد الكهرباء، لا يتجاوز المتوفر اليوم 4.5 ملايين لتر، يذهب معظمها إلى المخابز والمستشفيات والبلديات عبر المؤسسات الدولية، فيما تُطرح كميات محدودة في السوق المحلي.

"المحركات التي تعمل بها تتعرض لأعطال متكررة، في وقت أصبحت فيه قطع الغيار نادرة، فيما تمتد الأضرار إلى البيئة والصحة نتيجة الانبعاثات الناتجة عن عمليات الإنتاج والاستخدام".

هذا التراجع الحاد دفع السكان إلى البحث عن بدائل لم تكن مطروحة من قبل، مثل زيت الطهي والوقود المستخرج من البلاستيك، غير أن السكافي يحذر من أن هذه البدائل ليست سوى حلول اضطرارية تحمل أثمانًا باهظة.

ويتابع: "المحركات التي تعمل بها تتعرض لأعطال متكررة، في وقت أصبحت فيه قطع الغيار نادرة، فيما تمتد الأضرار إلى البيئة والصحة نتيجة الانبعاثات الناتجة عن عمليات الإنتاج والاستخدام"، مؤكدًا أن جميع القطاعات تأثرت بالأزمة، بينما أصبح سعر السولار رهينة السوق السوداء، يرتفع وينخفض وفق الكميات المتوفرة، بعيدًا عن أي ضوابط حقيقية.

ومع اتساع الفجوة بين العرض والطلب، نشأ في غزة اقتصاد موازٍ للوقود، ويقول الصحفي الاقتصادي أحمد أبو قمر: "إن البروتوكولات الإغاثية تنص على إدخال نحو خمسين شاحنة وقود يوميًا، إلا أن ما يدخل فعليًا لا يتجاوز ثماني إلى عشر شاحنات، وهو ما فتح الباب أمام سوق سوداء تستحوذ، بحسب تقديراته، على معظم تجارة الوقود في القطاع".

ولا ينعكس هذا الواقع على سعر السولار وحده، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، باعتبار الوقود عنصرًا أساسيًا في النقل والإنتاج والخدمات.

ويشير أبو قمر إلى أن سعر اللتر قفز من خمسة أو ستة شواكل قبل الحرب إلى أكثر من ثلاثين شيكلًا، الأمر الذي غذّى موجة تضخم طالت أسعار السلع الأساسية والخدمات، لتتحول أزمة الوقود إلى عبء اقتصادي يلاحق كل أسرة في القطاع، سواء امتلكت مركبة أم لم تمتلك".

وفي ظل هذا النقص، لم يعد السؤال كيف يحصل الغزيون على الوقود، بل كيف يصنعونه؟ فداخل ورش بدائية، بدأت محاولات لتحويل البلاستيك إلى وقود يخفف جزءًا من الأزمة.

أحد العاملين في هذا المجال، فضّل الاكتفاء بالأحرف الأولى من اسمه (أ.غ)، يقول "إن الفكرة ولدت مع اشتداد الحصار وانقطاع الوقود، حين لم يعد أمام كثيرين سوى البحث عن بديل يبقي المركبات والمولدات قيد التشغيل".

ويشرح أن العملية تبدأ بجمع البراميل والكراسي البلاستيكية التالفة وإطارات المركبات، ثم تُسخن داخل أفران مغلقة بدرجات حرارة مرتفعة، قبل تكثيف الأبخرة الناتجة للحصول على سائل يُستخدم وقودًا.

"الوقود المنتج محليًا، مهما بلغت كفاءة القائمين عليه، لا يمكن أن يضاهي الوقود الخارج من المصافي المتخصصة".

لكن ما يبدو للوهلة الأولى حلًا مبتكرًا، يخفي وراءه رحلة محفوفة بالمخاطر؛ فالحصول على المواد الخام بات أكثر صعوبة، والعمل نفسه يجري تحت تهديد الاستهداف الإسرائيلي، فضلًا عن المخاطر المهنية التي ترافق عمليات الإنتاج.

وينفي العامل ما يُتداول عن استخدام الحفاضات "البامبرز" في تنقية الوقود، مؤكدًا أن هذه الروايات لا تمت بصلة إلى آلية العمل في الورش التي يعرفها، وأن الوقود المنتج يعتمد على عمليات التسخين والتكثيف، لا على وسائل التنقية التي يجري تداولها بين الناس.

غير أن أستاذ الكيمياء داوود أبو حزيمة يؤكد أن الوقود المنتج محليًا، مهما بلغت كفاءة القائمين عليه، لا يمكن أن يضاهي الوقود الخارج من المصافي المتخصصة.

"أسعار السولار دفع كثيرًا من أصحاب المولدات إلى استخدام وقود صناعي أو زيت الطهي، وهي بدائل تؤدي إلى تراكم الرواسب داخل المحركات".

ويبين أن اختلاف درجات الحرارة، وغياب الرقابة الفنية، وعدم توفر المعدات اللازمة، يجعل جودة الوقود غير مستقرة، وقد يؤدي إلى احتوائه على شوائب تؤثر في كفاءة الاحتراق وسلامة المحركات.

ويحذر أبو حزيمة من الغازات المنبعثة أثناء عمليات التصنيع، لما تسببه من أضرار صحية وبيئية، إلى جانب الأعطال التي يخلفها الوقود غير المطابق للمواصفات، مثل انسداد الفلاتر، وتلف الرشاشات، وتقليص العمر الافتراضي للمحركات.

وتظهر هذه الأضرار بوضوح في المولدات الكهربائية التي أصبحت شريانًا أساسيًا للحياة في غزة.

ويقول المهندس الكهربائي ربيع علاء إن ارتفاع أسعار السولار دفع كثيرًا من أصحاب المولدات إلى استخدام وقود صناعي أو زيت الطهي، وهي بدائل تؤدي إلى تراكم الرواسب داخل المحركات، وتتسبب في تلف أجزاء رئيسية مثل الرشاشات والمكابس، ما يرفع الأعطال ويضاعف تكاليف الصيانة.

بين وقود مرتفع الثمن وبدائل رخيصة لكنها سريعة الإتلاف، وجد أصحاب المولدات أنفسهم أمام معادلة خاسرة، يدفع المواطن ثمنها في النهاية عبر ارتفاع تكلفة الكهرباء وعدم استقرار الخدمة.

ويضيف أن الأزمة لم تقتصر على الوقود وحده، بل شملت أيضًا قطع الغيار التي ارتفعت أسعارها إلى نحو عشرة أضعاف، الأمر الذي انعكس على تكلفة إنتاج الكهرباء.

وبين وقود مرتفع الثمن وبدائل رخيصة لكنها سريعة الإتلاف، وجد أصحاب المولدات أنفسهم أمام معادلة خاسرة، يدفع المواطن ثمنها في النهاية عبر ارتفاع تكلفة الكهرباء وعدم استقرار الخدمة.

أما داخل محطات الوقود، فقد تبدلت ملامح السوق بالكامل. ويقول مسؤول محطة السلامة في مخيم النصيرات عبد الرحمن نبيل أحمد إن طرق إدخال الوقود تغيّرت جذريًا بعد الحرب، وأصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والتنسيقات، في وقت دفع فيه النقص الحاد بعض التجار إلى خلط السولار بزيت الطهي أو بيع وقود معاد تدويره، وهي ممارسات أدت إلى زيادة الأعطال وأثقلت كاهل المواطنين.

يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ يدفع ثمن الوقود حين يشتريه، ويدفعه مرة أخرى عندما تتعطل مركبته أو يتوقف مولده عن العمل.

ويحذر أحمد من أن هذه البدائل، رغم انتشارها، لا تلبي احتياجات السوق، كما أنها فتحت الباب أمام تجارة عشوائية وعمليات غش وصفها بأنها أشبه بـ"مافيا البترول"، داعيًا المواطنين إلى التعامل مع مصادر موثوقة قدر الإمكان، لتجنب خسائر أكبر قد تلحق بمركباتهم ومولداتهم.

ورغم أن الوقود البديل ساعد في استمرار بعض الخدمات وخلق فرص عمل محدودة، فإن المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر يرى أنه لا يمثل حلًا حقيقيًا، بل استجابة اضطرارية فرضتها الحرب والحصار. فهذه الأنشطة، وإن حافظت على الحد الأدنى من الحركة الاقتصادية، ألحقت أضرارًا بالمعدات والبيئة، وأبقت السوق رهينة الفوضى وارتفاع الأسعار.

وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؛ يدفع ثمن الوقود حين يشتريه، ويدفعه مرة أخرى عندما تتعطل مركبته أو يتوقف مولده عن العمل.

وبين حصار يمنع تدفق السولار، وبدائل لا توفر أكثر من حلول مؤقتة، لم تعد أزمة الوقود في غزة مجرد نقص في مادة تشغيلية، بل تحولت إلى اختبار يومي لقدرة الناس على ابتكار وسائل للبقاء، في مكان أصبحت فيه أبسط تفاصيل الحياة تحتاج إلى وقود، وإلى كثير من الصبر.