"أمي آخر من يعلم".. هكذا أعاد العالم الرقمي رسم العلاقة!
تاريخ النشر : 2026-08-05 14:17

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن مريم (16 عامًا) تعرف كيف تفسر ما يزدحم في داخلها من أسئلة. مشاعر متقلبة، وحيرة بشأن الصداقات، وتساؤلات عن العلاقة مع الجنس الآخر، وقلق يتسلل إليها دون سبب واضح.

كانت تمسك هاتفها كلما ضاقت بها الأفكار، تبحث عن إجابة، أو تكتب ما يثقل قلبها، أو تتبادل الحديث مع صديقاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في الغرفة المجاورة، كانت والدتها تراها منحنية فوق هاتفها، وتظن كما في كل مرة أنها تراجع دروسها أو تنجز واجباتها المدرسية، لكن لم يخطر ببالها أن ابنتها تبوح بأكثر ما يقلقها لأشخاص لا تعرفهم، وأن أسرارها أصبحت تعيش خارج جدران البيت.

هكذا، بهدوء لا يكاد يلاحظه أحد، تغيرت المعادلة داخل كثير من الأسر، فلم تعد الأم الوجهة الأولى للأسئلة، ولا الحضن الأول للأسرار كما كانت قبل سنوات، فقد فتحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي أبوابًا جديدة للبوح، يتقدم فيها الأصدقاء، وصانعو المحتوى، وأحيانًا تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على حساب العلاقة التي كانت تجمع الأم بابنتها.

"هناك من يفهمني"

تقول الطالبة جنى (15 عامًا) إنها تحب والدتها، لكنها لا تخبرها بكل ما تعيشه.

وتوضح ذلك بالقول: "إذا واجهت مشكلة مع صديقاتي أو شعرت بالحيرة تجاه أمر ما، أتحدث أولًا مع صديقتي المقربة. أخاف أن تسيء أمي فهمي أو تعتبر المشكلة أكبر مما هي عليه".

"أشعر أنه يجيبني بهدوء، فلا ينتقدني، ولا يقاطعني، ولا يغضب مني أو يضيق ذرعًا بأسئلتي. أحيانًا أحتاج فقط إلى من يصغي إليَّ".

أما سامية (17 عامًا)، فتخبرنا أنها أصبحت تلجأ إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي طلبًا للنصيحة، سواء في الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، وحتى في بعض الأسئلة الصحية.

وتضيف: "أشعر أنه يجيبني بهدوء، فلا ينتقدني، ولا يقاطعني، ولا يغضب مني أو يضيق ذرعًا بأسئلتي. أحيانًا أحتاج فقط إلى من يصغي إليَّ قبل أن يقدم لي النصيحة".

تتفق الفتيات الثلاث على فكرة واحدة؛ فهن لا يرفضن دور الأم، لكنهن يبحثن أولًا عن مساحة يشعرن فيها بالأمان.

وفي المقابل، تجد رهف (16 عامًا) في منصات التواصل مساحة تشعر فيها بأنها ليست وحدها، فمتابعة صانعات المحتوى اللواتي يتحدثن عن القلق وضغط الدراسة والخلافات الأسرية تجعلها تشعر بأن ما تمر به ليس استثناء.

وتقول: "أشاهد فتيات يعشن التجارب نفسها التي أعيشها، فأشعر بالراحة".

ورغم اختلاف تجاربهن، تتفق الفتيات الثلاث على فكرة واحدة؛ فهن لا يرفضن دور الأم، لكنهن يبحثن أولًا عن مساحة يشعرن فيها بالأمان، بعيدًا عن الخوف من اللوم أو الأحكام المسبقة.

آخر من يعلم

في المقابل، تعيش كثير من الأمهات شعورًا مختلفًا؛ شعورًا بأن المسافة بينهن وبين بناتهن تتسع بصمت.

تراقب أم عميد (45 عامًا) ابنتها وهي تمضي ساعات طويلة ممسكة بهاتفها، وتقول بأسى: "عندما كانت صغيرة كانت تحكي لي كل ما يحدث معها في المدرسة. اليوم أكتشف بعض الأمور بعد أسابيع، وأحيانًا من المعلمات أو من بنات الجيران والأقارب".

"أجلس معها كل يوم وأسألها عن شؤونها، لكنني أشعر أن عالم الإنترنت يأخذها إلى مكان لا أعرف عنه شيئًا".

وتضيف: "أجلس معها كل يوم وأسألها عن شؤونها، لكنني أشعر أن عالم الإنترنت يأخذها إلى مكان لا أعرف عنه شيئًا".

أما أم سمير، فلم تعلم أن ابنتها مرت بخلاف مع إحدى زميلاتها إلا بالصدفة. وعندما واجهتها وسألتها بلطف: لماذا لم تخبريني؟ كانت الإجابة صادمة بالنسبة إليها.

تقول: "قالت لي إنها أخبرت صديقتها، وتحدثتا طويلًا في الموضوع، ولم تجد داعيًا لإخباري".

بعدها بدأت الأم تراجع نفسها. وتضيف: "كنت أعتقد أنني أحميها عندما أوبخها وأنتقدها، لكن يبدو أنها كانت ترى في ذلك سببًا لإخفاء مشكلاتها عني."

"سندًا لمراهقة أخرى"

ومع اتساع المسافة بين الأبناء وأسرهم، يجد كثير من المراهقين أنفسهم يحملون أعباء أكبر من أعمارهم.

راما (16 عامًا) واحدة منهم. تقول إنها تحولت، وهي لا تزال على مقاعد الدراسة، إلى مستودع لأسرار صديقاتها، اللواتي يجدن فيها أذنًا تسمع أكثر مما يجدنه في بيوتهن.

ومن بين القصص التي لا تنساها، تحكي عن صديقة تعرضت لابتزاز إلكتروني من شاب كانت تتواصل معه عبر "ماسنجر". ورغم أنها نصحتها بإخبار والدتها وطلب دعم الأسرة، فإن الفتاة رفضت، خوفًا من ردة فعل عائلتها والعقوبات التي قد تواجهها.

وتقول راما: "لم أعرف ماذا أفعل بعدها. فأنا في مثل عمرها، ولا أملك حلًا ينهي معاناتها".

في تلك اللحظة، لم يكن الهاتف هو المشكلة الوحيدة، بل غياب الشخص الذي تشعر الفتاة أنه يستطيع حمايتها دون أن يدينها.

لماذا تغيرت المعادلة؟

يجمع عدد من المتخصصين العرب في التربية والإرشاد الأسري، من بينهم الخبير التربوي جاسم المطوع والمفكر عبد الكريم بكار، على أن الثورة الرقمية لم تغير وسائل التواصل فحسب، بل أعادت تشكيل مفهوم المرجعية لدى المراهقين.

فبعدما كانت الأسرة والمدرسة المصدر الأول للمعلومة والنصيحة، باتت الهواتف الذكية ومنصات التواصل تمنح المراهق وصولًا سريعًا إلى آلاف الآراء والتجارب التي تسهم في تشكيل قناعاته وقراراته.

التحدي الحقيقي لم يعد في منع التكنولوجيا أو منافستها، بل في قدرة الأسرة على بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار، بحيث تبقى الملاذ الأول عندما يواجه الأبناء قضاياهم الحساسة.

ويرى المختصون أن التحدي الحقيقي لم يعد في منع التكنولوجيا أو منافستها، بل في قدرة الأسرة على بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار، بحيث تبقى الملاذ الأول عندما يواجه الأبناء قضاياهم الحساسة، بدلًا من الاكتفاء باستشارة الأصدقاء أو البحث عن إجابات في فضاء رقمي لا يميز دائمًا بين المعرفة الموثوقة والمحتوى المضلل.

استعادة الجسر المفقود

ويرى خبراء التربية أن استعادة ثقة المراهقين لا تبدأ بتشديد الرقابة على الهواتف، بل بإعادة بناء الحوار داخل البيت.

ويؤكد جاسم المطوع أن المراهق يحتاج إلى مساحة آمنة يتحدث فيها دون خوف من اللوم أو العقاب، لأن الإصغاء والاحتواء هما ما يدفعانه للعودة إلى أسرته عند الأزمات.

أما عبد الكريم بكار، فيرى أن الأسرة لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة في عصر الانفتاح الرقمي، لكنها ما زالت قادرة على أن تكون المرجع الأهم إذا نجحت في مرافقة الأبناء، وتنمية وعيهم، واحترام شخصياتهم، بدل الاكتفاء بإصدار الأوامر.

"المراهق يبحث بطبيعته عن الشخص الذي يمنحه الشعور بالأمان، والقسوة في التعامل مع مشكلاته قد تدفعه إلى إخفائها".

وتشير الاستشارية الأسرية هالة سمير إلى أن المراهق يبحث بطبيعته عن الشخص الذي يمنحه الشعور بالأمان، وأن القسوة في التعامل مع مشكلاته قد تدفعه إلى إخفائها، والبحث عن بدائل تمنحه الإصغاء، حتى وإن كانت خلف شاشة.

وبين أم تنتظر أن تسمع من ابنتها ما يشغل قلبها، وابنة تجد في الشاشة مساحة أسهل للبوح، تتسع فجوة لا تصنعها التكنولوجيا وحدها، بل يصنعها غياب الحوار أيضًا. فالهاتف لم يسرق مكان الأم، بقدر ما ملأ الفراغ الذي تركته المسافة بينهما.

ويبقى السؤال معلقًا في بيوت كثيرة: كيف تستعيد الأم مكانها، لا باعتبارها منافسة للهاتف، بل باعتبارها الشخص الذي لا تستطيع أي شاشة، ولا أي تطبيق، أن يعوض حضوره؟