أطفالُ غزة بين تيهِ الركام ووجعِ "الفقد المدوّن"
تاريخ النشر : 2026-08-04 18:55
صورة لإحدى مناطق الخط الأصفر

قطاع غزة:

"هل قضى الصغار تحت الأنقاض أم أن أنفاسهم لا تزال تقاوم في مكان ما؟".. أمام هذا التساؤل المرير، تقف العائلات المكلومة في قطاع غزة عاجزة أمام جرح مفتوح ينزف مع كل ثانية تمر، في مأساة تتجاوز حدود الفجيعة العادية؛ حيث يُخيم شتات الفقد والغياب على براءة أطفال غيبت حرب الإبادة الإسرائيلية أعدادًا منهم.

حديثًا أو حلال الحرب، صار الأطفال في متاهات المصير المجهول، تاركين خلفهم أمهات وآباء تجرعوا مرارة الفقد المعلق، وعاشوا تائهين بين رماد الركام وأمل واهن يرفض تصديق النهاية حيث تتجسد ذروة هذا الوجع المعلق في قصة الطفل "جلال" ابن الصحفي أحمد البرش، الذي تحول من ناقل لمآسي الناس وصراعاتهم إلى بطل لإحداها.

يعيش البرش وعائلته في خيمة نزوح بمنطقة بئر النعجة شمال قطاع غزة، تبعد نحو كيلومتر واحد عن "الخط الأصفر"، يقول لشبكة "نوى"، إن ابنه البالغ من العمر 9 أعوام تاه منذ 30 مايو 2026، وبدأت فاجعة تحل بحياتهم دون رحمة.

ومما يضاعف حجم الكارثة والخطورة على حياة جلال هو طبيعته الصحية المعقدة؛ إذ يعاني من طيف التوحد، ويفقد القدرة على النطق، ولا يملك الأهلية لتقدير المخاطر من حوله.

يضيف البرش: "خرج جلال ليلعب كعادته مع أشقائه، وتتبعنا أثره منذئذ عبر مؤشرات متقاطعة"، ويشير إلى أن البحث بدأ من شهادة صاحب بقالة يقع على بعد 100 متر من الخط الأصفر، أكد أن جلال اشترى منه زجاجة عصير وواصل طريق نحو الحدود، وصولًا إلى شهادات مواطنين أفادوا برؤية طفل يطابق أوصافه وهو يعبر السلك باتجاه منطقتي القرم وصلاح الدين.

ولم تترك العائلة سبيلًا إلا وسلكته في رحلة البحث المضنية، حتى إنهم استدعوا طواقم الدفاع المدني والطب الشرعي لتفتيش ركام مبنى مجاور بعد انبعاث روائح منه، خشية أن يكون طفلهم قد علق هناك، قبل أن تبين أنها لحيوان نافق.

لكن الغصة الأشد إيلامًا في هذه الرحلة كانت عندما تلقت العائلة اتصالًا من منظمة حقوقية تزف لهم نبأ العثور على جلال؛ طار الأب والأم بقلوب معلقة بلقاء انتظروه طويلًا، لتتحطم آمالهم عند عتبة اللقاء حين اكتشفوا أن الطفل الذي عثر عليه ليس ابنهم.

ويصف والده هذا العذاب النفسي قائلًا: "نعيش في تيه حقيقي وحزن مضاعف، ولم نتوقف لحظة واحدة عن البحث"، متمسكًا باليقين بأن رحلة تقصي الأثر لن تنتهي إلا بمعرفة المصير النهائي لطفل لا يملك من أمره شيئًا.

التفكير القاتل بحالته

هذه المعاناة تكررت تفاصيلها بدقة مع عائلة الطفل "مؤمن المصدر"، الذي فُقدت آثاره في 14 نيسان/أبريل الماضي خلال تواجده في حفل زفاف لجيرانهم في منطقة المصدر وسط قطاع غزة.

وروت والدته سمر لشبكة "نوى"، بقلب مكلوم، تفاصيل ليلة الفقد الأولى التي تزامنت مع قصف مدفعي وإطلاق نار كثيف شرق المنطقة، تشرح: "ابني متعود يخرج ويعود إلى منزله في نفس المنطقة التي يلعب فيها يوميًا، لكنه هذه المرة غاب ولم يظهر له أثر".

وتتابع بحرقة: "بحثنا عنه في كل مكان، وتواصلت مع الصليب الأحمر الذي أفاد بنفي جيش الاحتلال وجود طفل بهذه المواصفات لديه".

تكمل الأم: "أفكر في حاله، أكيد صار نحيفًا، وتغيرت ملامحه، وأخوه متعلق فيه ولا يصدق أنه غاب"، وتطلب مستنجدة من لديهم الصلة بالملف: "أريد ابني، حتى لو جاءوا لي بملابسه، أنا أحفظها وأعرض كل تفاصيل لبسه يوم أن ضاع".

وما تزال العائلة أسيرة شتات مرير يمنعها من معرفة ما إذا كان طفلها قد استشهد برصاص الاحتلال أم لا يزال على قيد الحياة.

ملف معقد وميدان شائك

وتصاعدت هذه الفواجع الفردية لتشكل مأساة جماعية شائكة ومعقدة، حيث أوضح رئيس لجنة المفقودين في قطاع غزة، عمر نوفل، لشبكة "نوى"، أن أعداد المفقودين منذ بدء حرب الإبادة بلغت نحو 5000 مفقود، لكنه عدد غير ثابت.

وأشار إلى أن عمليات فرز هذه الأعداد جارية حاليًا لتحديد النسب الدقيقة بحسب الأعمار، مؤكدًا أن هناك عددًا غير قليل من النساء والأطفال بين هؤلاء المفقودين، رغم أن الغالبية العظمى من البالغين الذكور.

وحسب نوفل، فإن جهود حصر وتوثيق الضحايا تصطدم بعقبات اجتماعية وميدانية خانقة؛ إذ رفضت عائلات كثيرة تسجيل أبنائها رسميًا كونه يمثل إقرارًا ضمنيًا بوفاتهم، مفضلين التشبث بأمل عودتهم.

ووفق نوفل فأن زوجات المفقودين هنّ من يبادرن بالتسجيل بدوافع اجتماعية وقانونية ملحة تخص عائلاتهن، فيما شدد على أن ملف المفقودين يتأزم ميدانيًا مع النقص الحاد في المعدات والآليات اللازمة لرفع الركام، إلى جانب منع الاحتلال الصارم لعمليات البحث في المناطق الغربية والقريبة من السلك الفاصل، فضلًا عن تلاشي وتبخر جثامين بعض الشهداء بفعل الأسلحة المحرمة التي استخدمها الاحتلال.

كل هذه العوامل التي اجتمعت في بقعة مبادة جغرافيًا، ومحاصرة بمكعبات صفراء جديدة، تحرم ذوي الأطفال المفقودين حتى من الوصول لمؤشرات حول مصيرهم، أو حق إلقاء نظرة الوداع الأخيرة في حال أنهم فقدوا حياتهم.