عائلة الكعابنة.. عامان من التهجير والاعتداءات الإسرائيلية
تاريخ النشر : 2026-07-16 13:20

الضفة الغربية:

في فجر الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبعد ثلاثة أيام فقط من اندلاع الحرب على غزة، استيقظت عائلة الكعابنة البدوية على أصوات الجنود الإسرائيليين والمستوطنين وهم يقتحمون خيامها في منطقة المعرجات، حيث أقامت لما يقارب خمسين عامًا.

الاقتحام والتفتيش والتهديدات بالقتل، شكلت بداية رحلة تهجير قسري ما تزال تطارد أفراد العائلة حتى اليوم، تاركة وراءها طفلًا استشهد، وإصابات جسدية دائمة، وخسائر مادية تُقدّر بنحو 700 ألف دولار، إلى جانب فقدان مصدر رزقهم الأساسي.

يروي المحامي مرعي الكعابنة، أحد أفراد العائلة، أن الجنود والمستوطنين اقتحموا التجمع البدوي، ووجهوا أسلحتهم نحو النساء والأطفال داخل الخيام، قبل أن يمنحوهم مهلة حتى السادسة من صباح اليوم التالي لإخلاء المكان ونقل خيامهم وأغنامهم.

ويقول: "أبلغونا بأن علينا الرحيل، وأن ننقل خيامنا ونساءنا وأطفالنا وأغنامنا، وإلا سيقتلون الأغنام كلها"، مضيفًا أن تلك الساعات كانت من أصعب ما عاشته العائلة.

ويوضح أن اعتداءات المستوطنين كانت موجودة قبل السابع من أكتوبر، لكنها، وفق تعبيره، "لم تصل يومًا إلى هذا المستوى من الوحشية".

بعد مغادرة المعرجات، انتقلت العائلة إلى محيط بلدة اللبن الشرقية جنوب نابلس، ظنًا منها أن المكان سيكون أكثر أمانًا، لقربه من رام الله، حيث يعمل عدد من أفرادها، ووقوعه ضمن المنطقة "ب". يتابع مرعي: "اعتبرناها المكان الأنسب لنا ولأعمالنا لنكمل حياتنا بأمان، لكن ذلك الشعور لم يدم طويلًا".

فمع بداية عام 2024، نصب مستوطنون خيمة بالقرب من مكان إقامة العائلة، تحت حماية الجيش الإسرائيلي، قبل أن يعودوا برفقة الجنود لإبلاغ أفراد الأسرة بالحدود التي يُسمح لهم بالتحرك ضمنها، مع تهديدهم بمنع الوصول إلى منطقة الواد المجاورة.

وفي العاشر من آذار/مارس من العام نفسه، تعرض شقيق مرعي لاعتداء بالضرب أثناء وجوده في الواد، ومنذ ذلك اليوم مُنع نهائيًا من الوصول إليها.

وبعد أسبوع واحد فقط، استيقظت العائلة على هجوم جديد، يخبرنا الرجل: "كنت نائمًا، واستيقظت على ضرب شديد بالعصي، وعلى ألسنة النار تشتعل حولي وبالقرب من عائلتي، بينما كان المستوطنون يهاجموننا ونحن نيام".

ولم تتوقف الاعتداءات عند ذلك، إذ أقام المستوطنون لاحقًا بؤرة استيطانية مقابل جامعة الزيتونة، بين محافظة سلفيت وبلدة اللبن الشرقية، ويشير مرعي إلى أن الشرطة الإسرائيلية هدمت البؤرة نحو 13 مرة، إلا أن المستوطنين كانوا يعيدون بناءها في كل مرة.

أما هو، فما زال يحمل آثار تلك الاعتداءات في جسده، فقد خضع لعملية جراحية في الرأس، وثُبتت له صفائح معدنية، إضافة إلى 30 غرزة وإصابات في أنحاء مختلفة من جسده، لا تزال مضاعفاتها تلازمه حتى اليوم.

لاحقًا، انتقلت مجموعة من إخوة مرعي وأبناء عمومته مع أغنامهم إلى المنطقة الواقعة بين قريتي سنجل وجلجليا، لكن المستوطنين هاجموهم هناك أيضًا، واستولوا على نحو ألف رأس من الأغنام.

رفضت العائلة الاستسلام، يؤكد المحامي إنهم لحقوا بالمستوطنين في محاولة لاستعادة مصدر رزقهم، وتمكن أحد أشقائه من استعادة الأغنام والسير بها باتجاه قرية عبوين شمال رام الله، لكنه فوجئ بوجود الجيش الإسرائيلي ومستوطنين في انتظاره، قبل أن يُعتقل ويُنقل إلى مركز شرطة "بنيامين" بتهمة سرقة أغنام تعود لأحد المستوطنين، ولم يفرج عنه إلا بعد دفع كفالة مالية بلغت ألف شيكل.

ويضيف أن العائلة نجحت في البداية في استعادة الأغنام، رغم ملاحقة المستوطنين والجيش، لكن إطلاق النار المباشر واعتقال أربعة من أشقائه أتاح للمستوطنين، بحماية الجيش والشرطة الإسرائيلية، الاستيلاء على القطيع مرة أخرى.

وخلال تلك المواجهات، في 13 أيار/مايو، استشهد الطفل يوسف الكعابنة، البالغ من العمر 15 عامًا، برصاص أطلقه مستوطنون.

يصف مرعي ذلك اليوم بأنه "كابوس لا ينتهي"، حيث كان في طريقه من رام الله بعد أن تلقى اتصالًا يخبره بما يحدث، مضيفًا: "كلما اقتربت، كان صوت الرصاص أوضح. وعندما وصلت، سمعت الناس يصرخون: هناك شهيد. لم أكن أعلم أن الشهيد هو ابن أخي. اقتربت أكثر، فوجدت يوسف، ابن الخامسة عشرة، مصابًا برصاص المستوطنين".

ويشير إلى أن والد يوسف لم يكن يعلم باستشهاد ابنه، إذ كان معتقلًا لدى الجيش الإسرائيلي بعد المواجهات، ولم يعرف بما جرى إلا لاحقًا.

ورغم التهجير، والاعتداءات، والإصابات، وفقدان طفل من العائلة، يؤكد مرعي أن موقفهم لم يتغير، ويختم: "سنبقى في أرضنا مهما فعلوا، ومهما حاولوا إخراجنا منها، لأنها أرض مقدسة ومباركة، ونحن مسؤولون عنها وعن الدفاع عنها مهما كانت النتائج".