على أطراف أرضه في منطقة الشيخ عجلين جنوب غربي مدينة غزة، يقف المزارع عبد الرحمن شملخ (67 عامًا) متأملًا ما تبقى من بستانه الذي كان يمتد على عشرة دونمات مزروعة بكروم العنب والتين. لم يبقَ اليوم سوى عشرات الغراس الصغيرة، بعدما أتت الحرب على الأشجار التي شكّلت لعقود مصدر رزقه وإرث عائلته.
يقول لـ"نوى": "غزة أرضنا ووطننا، لا يمكن أن نتركها، نموت ولا نرحل". ويؤكد أن زراعة العنب والتين في الشيخ عجلين لم تكن مجرد مهنة، بل جزءًا من هوية المنطقة وذاكرتها، وكانت تمد أسواق غزة بثمارها طوال المواسم.
عاد شملخ إلى أرضه بعد وقف إطلاق النار ليجدها مجرفة ومغطاة بالركام والحجارة وبقايا الحديد. ومع عدد من المزارعين، بدأ بمحاولات استصلاحها بما توفر من إمكانات بسيطة، مستخدمين الجرافات ومعدات الطوارئ لإزالة آثار الدمار، تمهيدًا لإعادة الزراعة.
ويصف استعادة الكروم بأنها معركة جديدة، فالأرض لم تعد صالحة للزراعة دون أعمال تأهيل واسعة، كما أن إعادة غرس الأشجار تتطلب تكلفة تفوق قدرة معظم المزارعين. ولتعويض ما فقدوه، لجأ بعضهم إلى جلب عيدان من أشجار العنب البعلي التي نجت من الحرب في منطقة أبو مدين بمخيم النصيرات، وغرسها على أعماق كبيرة أملاً في إحياء البساتين من جديد.
ورغم هذه الجهود، لم تتجاوز المساحات التي أُعيدت زراعتها في الشيخ عجلين خمسة في المائة من الأراضي التي كانت مزروعة قبل الحرب، فيما تحتاج الأشجار الجديدة إلى نحو ثلاث سنوات حتى تبدأ بالإنتاج.
ويشير شملخ إلى أن وزارة الزراعة بدأت مشروعًا لتسوية الأراضي الزراعية المتضررة، إلا أن ما نُفذ منه حتى الآن ما يزال محدودًا، داعيًا الوزارة والمؤسسات المحلية والدولية إلى توفير الآليات والغراس ومستلزمات الإنتاج، حتى يتمكن المزارعون من استعادة نشاطهم والحفاظ على إرث زراعي يوشك على الاندثار.
وعلى بعد أمتار، تتكرر الحكاية مع المزارع أدهم شملخ (40 عامًا)، الذي فقد عشرات الدونمات من كروم العنب والتين التي كانت تمثل مصدر الدخل الرئيس لعائلته. ويقول إن الحرب لم تكتفِ بتدمير البساتين، بل قضت على أشجار قديمة غرسها الأجداد، ولم تترك غرسة واحدة يمكن إعادة زراعتها.
ورغم محدودية الإمكانات، تمكن أدهم من استصلاح جزء صغير من أرضه وزراعة عشرات الغراس الجديدة، بينما بقيت مساحات واسعة بحاجة إلى آليات ثقيلة لا يملكها. ولم تتوقف التحديات عند إزالة الركام، إذ أصبح العثور على غراس جديدة مهمة شاقة بعد تدمير المشاتل، إلى جانب أزمة شح المياه ومنع إدخال السماد العضوي، ما يهدد نمو الأشجار واستمرارها.
ويؤكد أن إنقاذ كروم العنب والتين لا يعني استعادة محصول زراعي فحسب، بل حماية جزء من تراث غزة وذاكرتها الزراعية.
من جانبه، يوضح الخبير الزراعي والبيئي المهندس نزار الوحيدي أن مزارعي الشيخ عجلين يواجهون تحديات تتجاوز آثار التجريف، في ظل القيود المفروضة على إدخال مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي يبطئ عمليات إعادة التأهيل ويرفع تكلفتها.
ويبين أن العنب والتين من أكثر الأشجار قدرة على استعادة إنتاجها عند زراعتها بالطرق التقليدية، لذلك منحها المزارعون أولوية في محاولات الإحياء. كما تتميز الشيخ عجلين بتربتها الرملية الخصبة وجودة مياهها، واشتهرت تاريخيًا بإنتاج أصناف مميزة من العنب، أبرزها القريشي، إلى جانب التين البحري والموازي.
ويضيف أن وزارة الزراعة في غزة لم تقدم دعمًا مباشرًا للمزارعين، واقتصر دورها على التنسيق مع المؤسسات المنفذة للمشاريع الزراعية.
وتعكس تقييمات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) حجم الكارثة التي لحقت بالقطاع الزراعي، إذ أظهرت أن أكثر من 80% من الأراضي الزراعية في غزة تضررت حتى أبريل/نيسان 2025، ولم يبقَ صالحًا للزراعة سوى 688 هكتارًا من أصل 15,053 هكتارًا، أي ما يعادل 4.6% فقط، فيما أصبحت 95.4% من الأراضي خارج الإنتاج بسبب الدمار أو تعذر الوصول إليها، وتضررت 71.2% من البيوت المحمية و82.8% من الآبار الزراعية.
وبينما تكشف هذه الأرقام حجم الخسارة التي أصابت أحد أعرق القطاعات الزراعية في غزة، يواصل مزارعو الشيخ عجلين غرس ما يستطيعون من شتلات جديدة، على أمل أن تستعيد الأرض، بعد سنوات، شيئًا من خضرتها التي ابتلعتها الحرب.



