شح الحواسيب والهواتف يعمّق الفاقد التعليمي في غزة
تاريخ النشر : 2026-07-08 12:45

على عجل، تحاول الطالبة في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأقصى، ندى اللحام (18 عاماً)، تحميل محاضراتها والاستماع إليها عبر الهاتف المحمول الخاص بشقيقها، بعدما تعطّل هاتفها القديم، ولم تعد قادرة على إصلاحه بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف صيانة الهواتف والأجهزة الإلكترونية.

تقول اللحام لـ"نوى": "عندما تعطلت شاشة هاتفي كنت أعلم أن إصلاحها لن يكون رخيصاً، لكنني صُدمت عندما أخبروني أن ثمن الشاشة تجاوز 1500 شيكل، بينما لم يكن يتجاوز 200 شيكل قبل الحرب. هذه أسعار جنونية، ولا أستطيع تحملها في ظل الظروف الحالية".

وبحسرة، تروي الطالبة معاناتها في مواصلة تعليمها من دون هاتف، الذي أصبح بالنسبة إليها كتاباً وقاعة محاضرات ومكتبة في آن واحد، وتقول: "الوقت محدود، والإنترنت ضعيف، وكلما احتجت إلى تحميل المحاضرات أو الاستماع إليها أضطر لاستعارة هاتف أخي، وهو أمر يسبب لي الحرج، لكن التعليم أصبح إلكترونياً، ولا أستطيع متابعة دراستي أو تطبيق ما أتعلمه خارج هذه المنظومة".

وعلى غرار اللحام، يواجه الطالب حمزة راضي (23 عاماً)، من قسم الوسائط المتعددة، تحديات مشابهة، إذ يدرس عبر هاتفه المحمول بعد أن فقد حاسوبه إثر قصف إسرائيلي استهدف محيط منزله في منطقة السطر الغربي بمدينة خان يونس.

ويقول راضي لـ"نوى": "فقدان الحاسوب يعني فقدان القدرة على تطبيق ما أتعلمه من المحاضرات المصورة، لذلك أضطر إلى استعارة حاسوب أحد أصدقائي كلما أردت تنفيذ مشروع أو التدريب على البرامج".

ورغم القلق الذي يرافقه بسبب ضعف فرص التدريب العملي، فإن ما يقلقه أكثر هو استمرار هذا الواقع، خاصة أنه يقف على أعتاب التخرج، ويقول: "أحتاج إلى جهاز بمواصفات عالية حتى أتمكن من تطوير مهاراتي والحصول على فرص عمل عن بُعد في سوق يعتمد على الرقمنة، وبدون ذلك أشعر أن سنوات الدراسة والاجتهاد قد تذهب سدى".

ولا تختلف معاناة راضي واللحام عن واقع أكثر من 37 ألف طالب وطالبة تقدموا لامتحانات الثانوية العامة هذا العام، بعدما اضطروا إلى الدراسة عبر الوسائط الإلكترونية وسط ضعف خدمات الإنترنت، وشح الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة.

ومنذ بداية الحرب، أصبح الحصول على هاتف ذكي أو حاسوب في قطاع غزة مهمة شاقة، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال هذه الأجهزة لأكثر من ثلاث سنوات، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعار الأجهزة المستعملة إلى مستويات غير مسبوقة، إذ تجاوز سعر الحاسوب القديم 1300 دولار، فيما وصلت أسعار الأجهزة ذات المواصفات العالية إلى أكثر من 2000 دولار.

ولا شك أن هذا الواقع فاقم معاناة الطلبة في مختلف التخصصات، إلا أن أثره كان أشد على طلبة التخصصات التي تعتمد بشكل أساسي على الحاسوب، مثل الذكاء الاصطناعي والهندسة والوسائط المتعددة.

ولم يعد امتلاك هاتف ذكي أو حاسوب في غزة رفاهية أو مؤشراً على مستوى اقتصادي، بل تحول إلى ضرورة تفرضها متطلبات التعلم والبقاء، خاصة بعد تدمير الاحتلال المدارس والجامعات، والتحول القسري إلى التعليم الإلكتروني.

يقول عميد كلية الاتصال واللغات بجامعة غزة، حاتم العسولي، إن نقص الحواسيب والهواتف الذكية أصبح من أبرز التحديات التي تواجه الطلبة في المرحلة الحالية.

ويضيف لـ"نوى": "جزء كبير من العملية التعليمية يعتمد على المنصات الإلكترونية، سواء في حضور المحاضرات أو تحميل المواد العلمية أو التواصل مع أعضاء هيئة التدريس، وعندما يعجز الطالب عن امتلاك جهاز مناسب فإنه يفقد فرصاً تعليمية مهمة، ما ينعكس سلباً على تحصيله الأكاديمي، ويزيد احتمالات تعثره أو انقطاعه عن الدراسة، وهذا ما نخشاه بالفعل".

وخلال المقابلة، يروي العسولي أنه تلقى اتصالاً من طالبة في قسم الوسائط المتعددة، على وشك التخرج، لم تتمكن من تقديم امتحاناتها النهائية؛ لعدم امتلاكها حاسوباً بإمكانات تتناسب مع البرامج التي تدربت عليها طوال سنوات الدراسة، والتي ستخضع للاختبار فيها.

ويشير إلى أن الطالبة كانت تتابع دراستها عبر هاتف محمول واحد يتناوب على استخدامه أربعة من أشقائها الجامعيين، في ظل صعوبات مستمرة في شحنه واستخدامه بسبب تهالكه وتقادم إصداره.

ولا يبدو أن منع الاحتلال إدخال الأجهزة الإلكترونية إلى قطاع غزة أمر عشوائياً، بل يراه العسولي جزءاً من سياسة ممنهجة تستكمل استهداف المنظومة التعليمية، بعد تدمير معظم المؤسسات التعليمية، بما يحد من فرص الفلسطينيين في التعليم واكتساب المعرفة.

ويؤكد أن الواقع الذي تمر به منظومة التعليم بعد الحرب، وما رافقه من تقويض لفرص استمرارها عبر التعليم الإلكتروني، سيفرض تحديات طويلة الأمد على الطلبة، قائلاً: "استمرار هذه الأزمة سيؤدي إلى اتساع الفجوة التعليمية والفاقد التعليمي، وسيؤثر في جاهزية الطلبة الأكاديمية والمهنية بعد التخرج".

وإلى جانب شح الأجهزة الرقمية، يشير العسولي إلى ضعف خدمات الإنترنت في مخيمات النزوح، موضحاً أن ذلك أدى إلى تراجع تفاعل الطلبة مع المحاضرات الإلكترونية وتأخرهم في تسليم التكليفات الدراسية.

واستشعاراً لحجم المسؤولية، يوضح العسولي أن أعضاء هيئة التدريس يحاولون التخفيف من معاناة الطلبة عبر إبداء مرونة في مواعيد تسليم المشاريع والتكليفات، ويقول: "التكليفات التي تُطرح منذ بداية الفصل تبقى متاحة للتسليم حتى يومه الأخير، لكن هناك مواعيد مرتبطة بالأجندة والتقويم الأكاديمي لا يمكن تجاوزها".

وفي ختام حديثه، دعا العسولي المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل للضغط على الاحتلال من أجل السماح بإدخال الأجهزة والوسائط الرقمية اللازمة، بما يضمن استمرار العملية التعليمية، ويحفظ حق آلاف الطلبة في استكمال تعليمهم، ويحد من اتساع فجوة الإبادة المعرفية.