قبل أن يخطو نحو قمة جبل إيفرست، أعلى نقطة على وجه الأرض، يحرص متسلق الجبال الأردني الفلسطيني مصطفى سلامة على التأكد من شيء واحد؛ أن الطائرة الورقية التي يحملها لا تزال تحتفظ برسائل أطفال غزة كما كتبوها.
أحلام أطفال نجوا من الحرب، ولذكرياتٍ أثقل من أن تبقى حبيسة الورق. ومن فوق القمة، يأمل أن يطلقها نحو السماء، لعل رسالتهم تصل إلى عالمٍ لم يسمعهم بما يكفي.
في رحلة تختلف عن كل رحلاته السابقة، يتخذ سلامة من تسلق جبل إيفرست وسيلة لإيصال رسالة أطفال غزة إلى العالم، وتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت وطأة حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الرسائل التي يحملها كتبها أطفال من غزة بخط أيديهم، وتعكس حبهم للحياة رغم ما تعرضوا له من قهر وانتهاكات. وتحكي ما عاشوه من فقدٍ ونزوح وخوف، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بالأمل، وتعبّر عن أمنيات بسيطة تشبه أحلام ملايين الأطفال حول العالم.
في تلك الأوراق الصغيرة، رسم الأطفال مستقبلهم كما يتمنونه؛ أحدهم يريد أن يصبح طبيبًا لينقذ الأرواح، وآخر يحلم بأن يكون مهندسًا يعيد إعمار غزة ويبني المنازل التي هدمها الاحتلال الإسرائيلي، فيما يتمنى آخرون أن يصبحوا معلمين أو صيادين أو طيارين يحلقون في سماء آمنة.
ويقول سلامة، في حديثه لـ"نوى"، إن الرسائل كتبها أطفال تمكنوا من مغادرة غزة مع ذويهم إلى مصر هربًا من الحرب، بينما خرج آخرون لتلقي العلاج بعد إصابتهم، مؤكدًا أن هؤلاء الأطفال عاشوا ظروفًا قاسية ونسجوا قصصًا تستحق أن تُروى من أعلى مكان في العالم.
ولا يقتصر هدف الرحلة على حمل الرسائل، إذ يعمل سلامة، من خلال مؤسسة "الخير الخيرية الأردنية"، على جمع عشرة ملايين دولار لدعم أهالي غزة، ولا سيما الأطفال، عبر توفير الغذاء والمأوى وخدمات الدعم النفسي.
وزُينت الطائرة الورقية التي سيحملها إلى قمة إيفرست بألوان العلم الفلسطيني، لتصبح رمزًا يحمل القضية إلى العالم. وبين عشرات الرسائل، بقيت واحدة عالقة في ذاكرته؛ رسالة الطفلة منيرة، التي لم تكتب سوى الرقم 47، في إشارة إلى عدد أفراد عائلتها الذين استشهدوا خلال الحرب.
ويرى سلامة أن هذه الرسائل تختصر ما لا تستطيع الكلمات شرحه، وتحوّل الطائرة الورقية إلى شاهد على ما عاشه أطفال غزة، ورسول يحمل أصواتهم إلى ما وراء الحدود.
وُلد سلامة في الكويت، وعاش في مخيمات اللاجئين بالأردن، وبدأ رحلته مع تسلق الجبال عام 2004، قبل أن يحقق حلمه ببلوغ قمة إيفرست عام 2008، ثم يصل لاحقًا إلى القطبين الشمالي والجنوبي.

منذ سنوات، ارتبطت رحلاته بأهداف إنسانية، إذ استثمر مغامراته في جمع التبرعات للأطفال المكفوفين، ومرضى السرطان، ومتضرري الحروب، مؤمنًا بأن الوصول إلى القمم لا يكتمل إلا إذا حمل معه قضية تستحق أن تُروى.
يؤكد أن حلمه لا يقف عند حدود تسلق الجبال، بل يمتد إلى رؤية فلسطين حرة، وأن يتمكن يومًا من زيارة جميع مدنها، ومساندة أطفالها بما يستطيع.
يشير إلى أن الاستعداد لهذه الرحلة استغرق نحو تسعة أشهر، معربًا عن أمله في إنجازها خلال الأسابيع المقبلة، وتحقيق الهدف الذي بدأ من أجله الرحلة؛ أن يمنح أطفال غزة مساحة يسمعهم فيها العالم.
عندما ترتفع الطائرة الورقية فوق قمة إيفرست، ستغدو حاملةً لأحلام أطفال غزة، ورسالةً تقول إن أصواتهم، مهما أثقلتها الحرب، قادرة على الوصول إلى أعلى قمة في العالم.
