صانع قوارب يعيد الحياة إلى بحر غزة
تاريخ النشر : 2026-07-05 18:54

قبل أن تعود الحسكة إلى البحر، تمر أولاً بين يدي مصطفى مقداد. يطوف الرجل الستيني بكفيه فوق الفيبر جلاس، يتحسس الخدوش والفراغات، ويتوقف عند أصغر شق قد يسمح للماء بالتسلل إليها. بالنسبة إليه، لا يبدأ إنقاذ المركب من البحر، بل من هذه الطاولة الصغيرة داخل ورشة نجت بصعوبة من الدمار، حيث يقضي أيامه محاولاً إعادة الحياة إلى قوارب فقدها أصحابها وكادت الحرب أن تنهيها.

تتسلل أشعة الشمس عبر ثقوب السقف، فيما تمتزج رائحة الخشب بالفيبر جلاس، ويملأ صوت الجلخ المكان. يتحرك أبناؤه الثلاثة بين القياس والقص والتثبيت، بينما يراقبهم بعين اعتادت البحر والورشة معاً. هنا لا تُصنع القوارب فحسب، بل تُورَّث حرفة ورثها عن والده، ويصر على أن تبقى حية رغم كل ما أصابها.

أمضى مقداد عشرين عاماً صياداً، وأربعين عاماً في صناعة الحسكات وصيانتها. وبعد تدمير ورشته خلال الإبادة، لم يجد سوى الأدوات التي انتشلها من تحت الركام ليبدأ من جديد، محاولاً إصلاح ما تبقى من قوارب الصيادين.

يقول: "كان نفسي الكل يرى سعادتي في إصلاحي لحسكة صيد بعد تدمير ورشتي كاملة، ومع انعدام أدنى مقومات الإصلاح."

ويستعيد أول حسكة صنعها بعد نزوحه إلى مدينة رفح عام 2025، مستخدماً أدوات قديمة كان يحتفظ بها، كانت فرصة لعودة صياد إلى البحر، وأسرة إلى مصدر رزقها.

ورشة مقداد تكشف وجهاً آخر للأزمة التي يعيشها قطاع الصيد في غزة. فالقارب المتضرر يحتاج إلى صانع، والصانع يحتاج إلى خشب وفيبر وكهرباء وأدوات، وكل حلقة من هذه السلسلة أصبحت أكثر ندرة وارتفاعاً في الكلفة.

يشير إلى زاوية في الورشة بقي فيها قالبان فقط من أصل سبعة كانت تستخدم لصناعة القوارب. أما بقية المعدات، فأعاد تشغيلها بعد إصلاحها قطعة قطعة، لتعود صالحة للاستخدام من جديد.

ويؤكد أنه يخصص عمله للصيادين الحاصلين على بطاقات صيد رسمية، لأن الحسكة بالنسبة له ليست وسيلة نقل، بل مصدر رزق لعائلة كاملة. إلا أن صناعة مركب جديد قد تصل كلفتها إلى نحو خمسين ألف شيكل، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار المواد الخام.

يقول إن أسعار الفيبر تضاعفت بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح استخدام كل طبقة منه محسوباً بدقة، فيما تحولت الكهرباء اللازمة لتشغيل آلات القص والجلخ إلى عبء إضافي يرفع كلفة كل عملية إصلاح.

ويضيف: "الحسكة بدها ثلاثة أيام شغل متواصل، أنا وأبنائي بنشتغل عليها، والأدوات كلها بدها صيانة، وكيلو الكهرباء صار غالي وداخل في كل تفصيلة من الشغل."

لكن أكثر ما يثقل ذاكرة مقداد ليس غلاء المواد ولا صعوبة العمل، بل القوارب التي صنعها ثم فقدها أصحابها في البحر.

يتوقف قليلاً قبل أن يروي قصة صياد خرج بإحدى الحسكات التي صنعها، قبل أن تتعرض للاستهداف أثناء الصيد. نجا الرجل بعدما قفز إلى الماء وسبح نحو الشاطئ، بينما بقي المركب وحيداً حتى أعادته الأمواج ليلاً، مثقوباً وآثار الرصاص تملأ جسده.

بالنسبة لمقداد، لم يكن ذلك مجرد قارب تالف، بل محاولة جديدة لإعادة الحياة إلى ما ظن الجميع أنه انتهى.

يقول: "من بين مئة حسكة صنعتها، فقدت ثلاثين. كل حسكة منها كانت رزق ناس، وحين تعود واحدة معطوبة أشعر أن عليّ إرجاعها للحياة من جديد."

وخلال حديثه، يتقدم ابنه إبراهيم ليسأله عن طريقة تثبيت حديد المجداف، بينما ينشغل شقيقه عطية بتهذيب ألواح الخشب. يشرح الأب، يراقب، ثم يترك لهما إكمال المهمة، في مشهد يلخص انتقال الحرفة بين جيلين.

ويقول: "زي ما تم توريث عملي هذا من والدي، أورّثه الآن إلى أبنائي ليكملوا مسيرة عملي بإخلاص."

يقول رئيس النقابة العامة للعاملين في قطاع الصيد والإنتاج البحري، زكريا بكر، إن القطاع كان يوفر مصدر دخل لنحو 4500 صياد، إضافة إلى نحو 1500 عامل في المهن المساندة قبل الحرب، إلا أن عدد الصيادين العاملين اليوم تراجع إلى ما بين 800 وألف صياد فقط، يعمل معظمهم على حسكات صغيرة تُدار بالمجاديف بعد فقدان القوارب الأكبر وتدمير جزء كبير من معداتهم.

ويشير إلى أن الحرب تسببت في خسارة نحو 1500 قارب من مختلف الأحجام، إلى جانب تدمير ورش الصيانة والمعدات المخزنة فيها، ولم يتبقَّ سوى ورشتين تعملان بإمكانات محدودة لإصلاح ما يمكن إنقاذه من المراكب.

ويقول: "فقدان الحسكة بالنسبة إلى الصياد مثل فقدان الروح من الجسد؛ فهي مصدر دخله الوحيد. الصياد إن خرج من البحر يموت، لأنه ابن هذه المهنة، وقدرته على الانتقال إلى عمل آخر محدودة جداً."

ولم تتوقف الخسائر عند القوارب، بل انعكست مباشرة على حجم الإنتاج البحري. فبعدما كان قطاع الصيد ينتج ما بين 15 و20 طنًا من الأسماك يوميًا قبل الحرب، تراجع الإنتاج إلى ما بين 10 و15 طنًا فقط شهريًا، معظمها من الأسماك الصغيرة، نتيجة ضيق مساحة الصيد، وفقدان القوارب، وتراجع القدرة التشغيلية للصيادين.

هذه الأرقام يلمسها مقداد كل يوم داخل ورشته؛ فالقوارب التي تصل إليه ليست جديدة، بل مراكب أنهكتها الإبادة وأعادها أصحابها على أمل أن يمنحوها فرصة أخرى للعودة إلى البحر.

وبينما ينشغل أبناؤه بتثبيت الألواح وصقل المجاديف، يواصل هو فحص حسكة أوشكت على الانتهاء. يمرر يده فوق سطحها مرة أخيرة، يتأكد من تماسكها، ثم يبتسم بهدوء.

 لا تنتهي المهمة بالنسبة لمصطفى عند إصلاح خشب أو سدّ شقوق في جسد مركب، بل حين يرى الحسكة تشق الماء من جديد، حاملةً صيادًا يعود إلى رزقه، وعائلةً تنتظر على الشاطئ أن يعود البحر إليها بما يكفي لتبدأ يومًا آخر.