"أزواج اختاروا ونساء دفعن الثمن".. معبر رفح يفتح جراحاً جديدة
تاريخ النشر : 2026-06-30 12:29

عامان كاملان أمضتهما ربا سليم بعيدة عن غزة، تتابع الحرب من مصر وقلبها معلق بأطفالها الثلاثة. حين فُتح معبر رفح أخيراً أمسكت حقائبها ولم تتأخر - لم تكن تعلم أن ما ينتظرها في الخيمة سيكون أقسى مما تركته وراءها.

حزمت أمتعتها وقلبها لا تسعه الفرحة، فعامين من الفراق كان كفيلاً أن ينهك ذاكرتها. وصلت منهكة من معبر رفح البري إلى خيمة زوجها في منطقة الكرامة شمالي غرب مدينة غزة، حيث بيتها الكائن في مخيم جباليا شمال القطاع قد دمر بالكامل قبل عام ونصف.

ربا سليم (اسم مستعار - 40 عاماً) كانت قد خرجت من غزة في بداية الحرب مرافقة لأمها المريضة للعلاج في مصر، حيث كانت الأم تعاني ورماً في الدماغ. أمضت ربا الحرب هناك وقلبها يكاد ينفطر على أطفالها الثلاثة الذين تركتهم مع أبيهم في غزة.

وصلت ربا إلى غزة محملة بكثير من الشوق والحنين، لكن هذا الشوق لم يدم طويلاً، إذ تفاجأت بعد وصولها خيمتها بأن زوجها تزوج عليها بأخرى.

تقول وهي تتواجد حالياً في خيمة أهلها برفقة أطفالها بعدما تركت خيمة زوجها بعد أقل من ساعة من وصولها غزة: "معبر رفح جلب لي ضرة وزوجة أب لأطفالي".

وتضيف: "كنت أسابق الزمن وأنا أتخيل لقائي بزوجي وأطفالي بعد عامين من الغياب، لكن هذه الفرحة انقلبت إلى كابوس يهدد حياتي وأطفالي، فقد تزوج زوجي من إحدى قريباته بعدما أصيب في قصف استهدف منزل عائلته مما استدعاه للبحث عن زوجة تعيل أطفاله كونه يعاني إعاقة في قدمه اليسرى".

وتقول: "ها أنا أعيش صدمة حياتي التي لم أتوقعها يوماً، لن أعود لزوجي ". تصمت برهة ثم تقول: "كل ما أعرفه هو أن حياتي انقلبت رأساً على عقب والسبب إغلاق معبر رفح".

وتكمل: "كنت أعيش جحيماً لا يطاق وأنا أتابع أخبار الحرب على غزة، ولم أكن أعلم بأن هذا الجحيم سيستمر حتى بعد عودتي لغزة".

وتختم حديثها باكية: "أعيش ضياعاً نفسياً فلا معيل لي ولا وظيفة، بينما أطفالي صغار وهم بحاجة لكثير من الرعاية والاهتمام، لا أدري ماذا أفعل".

وتمثل ربا حالة من مئات الحالات اللواتي دفعن استقرارهن الأسري ثمناً لإغلاق معبر رفح، إذ اختار أزواج كثيرون الزواج بأخرى في غياب زوجاتهم، تاركين آلاف النساء في مهب الريح دون معيل أو سند.

تقول إسلام عبده (21 عاماً)، نازحة في مخيم في منطقة اليرموك وسط مدينة غزة: "غادر زوجي القطاع قبل الحرب للدراسة، كنا على تواصل دائم معه، لكن مكالماته في الفترة الأخيرة قلت نوعاً ما رغم الظروف الصعبة التي نعيشها في غزة".

وتضيف: "ذات ليلة قمت بالتواصل مع أخت زوجي وكنت أشتكي لها صمت زوجي في الفترة الأخيرة، قامت أخته بالاتصال به لكن إحداهن قامت بالرد، وحين سألتها عن هويتها قالت إنها زوجته".

وتختم حديثها: "أخبرت عائلتي بأني أنوي الطلاق فتواصلوا معه للقيام بإجراءات الطلاق لكن دون جدوى، فهو لا يريد طلاقي ويقول بأنه كان مجبراً على هذا الزواج وأنه سيعود لغزة مجرد أن تفتح المعابر".

من وجهة نظر قانونية، أدى تعطل المحاكم الشرعية والمدنية في غزة إلى شلل تام في المنظومة العدلية، مما ترك النساء في حالة فراغ قانوني واجتماعي، إذ تعجز آلاف النساء عن متابعة دعاوى النفقة والحضانة والطلاق، لتصبح العديد منهن معلقات بلا حقوق مالية أو حماية قانونية في ظل غياب جهات التنفيذ الحكومية.

يقول المحامي حسام الوادية: "تعمل المحاكم في غزة بالحد الأدنى بسبب الحرب، مثلاً كافة مواضيع الطلاق لها سقف محدد في التعاطي معها من قبل المحكمة، أي أنها تنظر لعدد محدود من هذه القضايا، كما أنه لا يوجد تنفيذ للأحكام التي تتحصل عليها النساء".

ويضيف: "بعض القضايا تحل عبر ما يسمى قسم الإرشاد الأسري من أجل التخفيف من كم القضايا التي سترفع في المحكمة".

ويختم الوادية: "النفقة بكل أشكالها واقف التعامل فيها لأنها تعتمد على التنفيذ، مما ينعكس سلباً على نفسية النساء ومتابعة حقوقهن".

تعلق الأخصائية النفسية والاجتماعية الدكتورة تغريد شعفوط على الأمر بالقول: "ما تعرضت له النساء من ظروف استثنائية في الحرب جعل منها نفسية هشة مما يؤثر عليها سلباً".

وتضيف فيما يتعلق بحال تزوج عليها زوجها بأخرى: "هذا الأمر يصيب المرأة بهزة نفسية عنيفة حتى لو كانت تعلم بنية زوجها، كونها هنا تتعرض علاقتها الزوجية في مقتل".

وتلفت شعفوط إلى أن ما يزيد الأمر تعقيداً هو أن المرأة تجد نفسها وحيدة في مواجهة هذه الصدمة، في حين لا يتحمل الزوج في الغالب أي تبعة اجتماعية أو قانونية على قراره.

وحول خيارات الزوجة تقول شعفوط: "أي شيء يصدر عن الزوجة هنا هو رد فعل طبيعي لأنها تعرضت لصدمة العمر، وتختلف ردة الفعل من زوجة لزوجة حسب الظروف الاجتماعية والصلابة النفسية وسماتها الشخصية، فهناك من تقرر التكيف وهناك من تطلب الطلاق، ويترتب على هذا الطلاق تداعيات ليست سهلة بالمطلق خاصة في ظل وجود أطفال وفي ظل عدم وجود محاكم شرعية تحفظ لها حقوقها".

وهكذا تسبب إغلاق معبر رفح البري بمئات بل آلاف المشاكل الاجتماعية، غير أن النساء كن الأكثر دفعاً للثمن في كل مرة - عالقات خارج القطاع أو داخله، منتظرات أزواجاً اختاروا الزواج بأخريات، ومحرومات من منظومة قانونية تحفظ حقوقهن. وكأن حرب الإبادة لم تكن كافية.

إحصائياً، هناك 150 ألف مواطن غزي يتواجدون في الأراضي المصرية بينهم أعداد كبيرة سجلت بياناتها من أجل العودة لغزة، وفقاً للسفارة الفلسطينية في القاهرة.

يشار إلى أن معبر رفح البري قد فتح على فترات متباعدة في الاتجاهين لكن بأعداد محدودة جداً وضمن شروط صارمة، فيما أفاد العائدون بتعرضهم لمعاملة حاطة للكرامة من قبل الجيش الإسرائيلي المتواجد في المعبر.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد أغلق معبر رفح في مايو 2024، قبل أن يُعاد فتحه ضمن استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ مطلع تشرين الأول الماضي