قطاع غزة:
لم يكن محمد سعيد شعبان بحاجة إلى عشر سنوات كاملة ليفهم معنى أن تولد في غزة؛ فسنواته التسع كانت كافية ليتجرع بلادًا يبتلع الاحتلال أبنائها وبناتها وتُحاصر أحلام الناجين فيها.
وفي خيمته الضيقة بجباليا، شمال القطاع، لا يبدو أن غياب قدميه وإحدى يديه -التي فُقدت في طفولة مبكرة- عائقًا يمنعه من ممارسة أحلى ألعابه "كرة القدم".
يتحرك محمد داخل الخيمة كمن يتحدى الجاذبية والتاريخ، يركل الكرة بما تبقى له من جسد، في مساحة لا تتسع لخطوة واحدة لرجل بكامل أطرافه، الخيمة هنا ليست مجرد مأوى مؤقت؛ إنها الملعب، والوطن، والحدود الضيقة التي تفرضها الحرب على جيل كامل.

تقول والدته، وهي تسرد مأساة تختصر حكاية شعب كامل: "حلم محمد من عشر سنوات، يحضر كأس العالم". المفارقة هنا مريرة كعلقم؛ فالطفل الذي لم يتجاوز التاسعة، يحلم بـ "المونديال" منذ ما قبل ولادته ربما، أو هكذا تبدو السنون في غزة، حيث تُقاس الأيام بكثافة الخوف لا بعدد الشهور.
تضيف الأم، وعيناها ترقبان المقهى القريب من النزوح: "المباريات تبث بشكل متأخر، وأنا أخشى عليه من القصف"، حتى الفرح المؤجل والمعلب في شاشات التلفزة يصبح مغامرة غير مأمونة العواقب. في غزة، قد تكلفك مشاهدة هدف لـ "ميسي" أو "رونالدو" حياتك، إذا ما قررت طائرة مسيّرة أن الملعب الحقيقي هو ذاك المقهى الصغير.
تعيش العائلة على حافة الخطر، "قريبين من الخط الأصفر"، حيث الموت يتربص خلف كل ساتر ترابي، وفي هذا المكان، يمضي محمد يومه كله داخل الخيام وما حولها فقط، لا يملك ترف الركض في الأزقة، ولا حتى ترف التنقل المستقل؛ إذ لا يمتلك كرسيًا متحركًا يحميه من ذل الحاجة.

"كنت أحمله على أكتافي"، تعود أمه لتحكي لنا كيف فاض قلبها بالوجع مرارًا في النزوح تحت وطأة القصف، "وذات مرة حملته من الشمال للجنوب مدة ثلاث ساعات". ثلاث ساعات من المشي تحت شمس حارقة أو خوف مطبق، تحمل فيها امرأة فلذة كبدها الذي بلا أطراف، تعبر به الحواجز والموت، لتنجو بجسد ناقص، لكنه مفعم برغبة عارمة في الحياة.
محمد، الذي يعشق كرة القدم والسباحة -الرياضتان اللتان تتطلبان أطرافًا كاملة وقوية- يرسل من خلف قماش خيمته نداءً صامتًا إلى عالم أصم، يتمنى أطرافًا صناعية، يريد فقط أن "يرتديها" ليقف على مستوى النظر مع أقرانه، ليستعيد "جزءًا من حياته" المسلوبة.
تناشد العائلة الجهات المعنية، وهي تعلم أن المناشدات في هذه البقعة من الأرض غالبًا ما تذروها الرياح، لكن محمد لا ينتظر؛ يستمر في دحرجة كرته داخل الخيمة، رافضًا الاستسلام للخط الأصفر، ولسياط النزوح، ولعالم يتفرج على مأساته عبر الشاشات، تمامًا كما يتفرج هو على كأس العالم المؤجل.
