على امتداد شاطئ المواصي جنوب قطاع غزة، تحوّل البحر إلى مساحة حياة مؤقتة يلجأ إليها النازحون هرباً من قسوة الخيام وحرّها الخانق. فبعدما دمّرت آلة الحرب الحدائق والملاعب وأتت على البنية الترفيهية في القطاع، برز الشاطئ كأحد آخر المساحات المفتوحة أمام آلاف العائلات النازحة، ليغدو الملجأ اليومي للأطفال الهاربين من ضيق الخيام وحرارة الصيف، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
بين خيمة وبحر، تمتد حياة كاملة من التناقضات لعائلة النازح أشرف أبو دقة مع زوجته وأطفاله الثلاثة؛ فبينما تختزل خيمته المتواضعة المقامة على الشاطئ ضيقَ المساحة ولهيبَ الحرارة، يفتح البحر نافذة للحرية والحركة، خلف بابٍ مسدود بأقمشة مهترئة وحبالٍ متقطعة.
يقول بمرارة:"كان البحر في السابق مكاناً للترفيه وتجمع العائلة في عطلة نهاية الأسبوع، أما اليوم فهو مكانٌ للنزوح وشاهد على معاناة لا نحتملها".
وسط تلالٍ رملية صغيرة، تجمّع أطفالٌ يلهون بأدوات بدائية ويحفرون في الرمال. وبينما يصنع نجله أمجد (10 أعوام) حفرة في الرمال، يقول لـ نوى: "هذه داري الجديدة، لكنها مش بنفس الشوب زي الخيمة" يضحك ثم يواصل الحفر، كأنه يبني عالماً بديلاً لا يشبه الواقع الذي يعيش فيه، وبينما كان أمجد وإخوته يلهون في الرمال، تجمّع أطفالٌ يغنّون ويهتفون بأغانٍ وطنية عن غزة وحبها للحياة وللحرية.
ورغم ما يسطره هذا الإبداع الطفولي من قدرة على التكيف وإرادة البقاء، إلا أنه يكشف في الوقت ذاته حجم الحرمان من أبسط حقوق الطفولة. وبحسب بيان للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في أبريل الماضي، يشكّل الأطفال 47% من إجمالي عدد سكان قطاع غزة البالغ 2.4 مليون نسمة، أي ما يقارب 980 ألف نسمة.
النازح يوسف الجبور (43 عاماً) يصطحب أطفاله إلى شاطئ البحر بشكل شبه يومي، هرباً من لهيب الخيمة واكتظاظ المخيم. يقول لـ نوى:"ارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد يجعل البقاء في الخيمة أمراً لا يُطاق"، ورغم لحظات الفرح القصيرة التي يسرقها خلال النزهة، إلا أن ثقل الواقع لا يغيب عن مخيلته، يقول :" العائلات تأتي هنا لتخفف عن نفسها وتبتعد عن جو الحرب ومشاهد الدمار، لكن مع حلول المساء تعود للخيام ويعود كل شيء كما كان" يختم: "البحر لا يغير واقع الأطفال لكنه يخفف عنهم قليلاً",
ورغم مشاهد اللعب والسباحة، إلا أن بصمات الحرب الثقيلة ما زالت حاضرة في وجوه الأطفال، الذين يحملون في ذاكرتهم أصوات القصف والانفجارات وعذابات النزوح المتكرر والأليم.
ومع حلول المساء، ينحسر قرص الشمس وتخفت أصوات الأطفال، وتبدأ العائلات بالعودة إلى واقعها المنهك، ويعود الشاطئ إلى سكونه، كأنه يبتلع ضجيج آلاف النازحين معه.
خلال عامين من الإبادة، قتل الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد على 20 ألف طفل، وأيتم أكثر من 56 ألفاً، بحسب بيانات الأمم المتحدة. وفي مارس/آذار الماضي، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إن أطفال غزة ما زالوا يعانون من انتهاكات وحشية لحقوقهم الأساسية، طالت الحق في الحياة والتعليم والصحة.
