الطفلة حلا تُحصي الغائبين بأصابعٍ مهددة بالغياب
تاريخ النشر : 2026-06-15 16:44

قطاع غزة:

"وين بابا؟ وين ماما؟ بدي إياهم".. سؤالٌ تستقبل به حلا لبد أيامها على سريرها في مستشفى الشفاء، باحثةً بعينيها الصغيرتين عن والديها دون أن تعرف أن القصف الإسرائيلي الذي ترك أصابع يدها مهددة بالبتر، حرمها منهما إلى الأبد، وحين لا تجد جوابًا، تنظر إلى يدها الملفوفة بالضمادات وتسأل: "ليش إيدي هيك؟".

على أحد أسرّة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، تستلقي الطفلة ذات الأعوام السبعة بين الضمادات والآلام، تحاول أن تحرك أصابع يدها اليمنى، لكن الحروق التي أكلتها حتى العظام تجعل أبسط حركة معركة جديدة مع الوجع، وحين يشتد الألم، لا تملك سوى البكاء.

نجت حلا من النيران التي اجتاحت الشقة التي كانت تنام فيها مع عائلتها، لكنها خرجت منها محمّلة بإصابات قد ترافقها طوال حياتها، فقد أصيبت بحروق بالغة في يدها اليمنى وقدميها وأجزاء واسعة من جسدها، بينما لا يزال خطر فقدان أصابعها الخمسة قائمًا حتى اللحظة.

تقول عمتها حنين لـ"نوى" إن الحروق التي أصابت يدها من الدرجة الرابعة بعدما وصلت إلى العظام، والأطباء أخبروها أن احتمال بتر الأصابع وارد بأي وقت.

تنظر العمة إلى ابنة شقيقها وهي تتلوى من الألم، ثم تضيف: "حلا لسا طفلة، يفترض أن تكون تلعب وتدرس وتعيش طفولتها، لا تقضي أيامها بين العمليات والضمادات، والمؤلم أكثر أنه ما في علاج يخفف عنها هذا الوجع، الموجود فقط الأكمول، وهو ليس فعالًا أمام إصابة بهذا الحجم".

في فجر الخامس من يونيو/حزيران، عند الساعة الثانية والنصف فجرًا، قصفت الطائرات الإسرائيلية شقة تعود لعائلة لبد وكانت تؤوي 16 شخصًا، بينهم أطفال ونساء ومسنون ونازحون لجؤوا إليها بحثًا عن الأمان، كان الجميع نائمين حين سقطت ثلاثة صواريخ دفعة واحدة.

خضعت حلا على إثر الإصابة لسلسلة عمليات جراحية، لكن الأطباء أكدوا أن علاجها غير متوفر داخل مستشفيات القطاع المحاصرة والمنهكة، وإنما تحتاج إلى تدخلات طبية متخصصة، وإلى مراحل علاج طويلة تبدأ بقشط الأنسجة المحترقة، مرورًا بعلاج مكثف بالمضادات الحيوية، وصولًا إلى عمليات ترقيع وترميم للأصابع المهددة بالفقدان.

تشرح عمتها ذلك قائلة: "الأطباء قالوا إنها بحاجة إلى رقعات وعلاجات خاصة لأطراف أصابعها الخمسة حتى نحافظ عليها، وكل يوم يمر من دون علاج مناسب يزيد الخوف من خسارتها".

لكن الألم الذي يسكن جسد حلا ليس وحده ما يطاردها، فمنذ استيقاظها في المستشفى، لا تتوقف عن سؤال عمتها عن شكل يدها الذي لم تعد تعرفه: "ليش أصابعي هيك؟"، فتبحث حنين عن أي إجابة تخفف وقع الحقيقة، دون أن تخبرها أن الصواريخ الإسرائيلية سرقت من يدها شكلها الطبيعي، وتركت أصابعها معلقة بين العلاج والبتر.

غير أن السؤال الأكثر قسوة يأتي حين تبحث بعينيها بين الوجوه المحيطة بها ثم تقول: "وين بابا؟ وين ماما؟ بدي إياهم"، في تلك اللحظة تحديدًا، تضطر العمة إلى إدارة وجهها بعيدًا حتى لا ترى الصغيرة دموعها، فالطفلة لا تعرف بعد أن والدها ووالدتها لم يعودا موجودين.

تحاول حنين تهدئتها بالقول إنهم سافروا لعلاج وسوف يعودون قريبًا فيما تدرك أن الحقيقة أثقل بكثير من أن تُقال لطفلة خرجت للتو من تحت الركام والنار.

عن لحظات الاستهداف الأولى، تتحدث: "كل شيء صار خلال ثوانٍ. كنا نائمين، ثم وصلني اتصال يخبرني أن الاستهداف في شقة أخوي حسن. ركضت على مستشفى الشفاء وأنا بدعي ألاقيهم أحياء، لكن ربنا اختار لهم طريقًا ثانيًا".

في ذلك القصف استشهد شقيقها حسن لبد، وزوجته منار، وطفلاه رهف وتميم، ومن العائلة المكونة من ستة أفراد لم ينجُ سوى حلا وشقيقها الأكبر محمد.

لم تكن هذه الخسارة الأولى التي تتلقاها العائلة، ففي أقل من عام، فقدت حنين ثلاثة من إخوتها؛ سمير، ثم جهاد، ثم حسن، ثلاثة أسماء رحلت تباعًا، فيما بقيت هي تحاول استيعاب الفقد المتراكم فوق قلبها.

أما حلا، فما تزال حتى هذه اللحظة تعيش بعيدًا عن الحقيقة التي غيّرت حياتها إلى الأبد، منتظرةً عودة أسرتها كما لو أنهم غابوا مؤقتًا فقط، وعن ذلك تُعلق عمتها: "لا أحد فينا قادر أن يخبرها الحقيقة، كلما سألت نحاول أن نؤجل الإجابة. ننتظر أن تتحسن حالتها الصحية أولًا، ثم نوفر لها طبيبًا نفسيًا يهيئها ويخبرها بما جرى".

وتصف الحالة النفسية التي تعيشها حلا بأنها لا تقل قسوة عن إصابتها الجسدية، منبهة: "لم أر بحياتي طفل مكتئب لهذه الدرجة"، موضحة أن الصغيرة تنفجر بالبكاء كلما سألها أحد عن حالها أو حاول الحديث معها، وكأنها تشعر في أعماقها بأن شيئًا كبيرًا قد انكسر في حياتها، لكنها لا تزال عاجزة عن فهمه أو مواجهة حقيقته.

تنظر حنين إلى الصغيرة الراقدة على سريرها، وتنوه أن كل يوم يمر دون علاج يقرّبها أكثر من خسارة جديدة لا تحتملها طفلة في السابعة من عمرها، وبينما تواصل حلا انتظار والديها اللذين لن يعودا، تواصل عائلتها انتظار استجابة عاجلة من المؤسسات الحقوقية والإنسانية لإنقاذ أصابعها المهددة بالبتر، قبل أن تأخذ الحرب منها ما تبقى.