"ياسمين" تحيك مع والدها ما مزقته الحرب
تاريخ النشر : 2026-06-08 13:21

يجلس يحيى النجار خلف آلة الخياطة منشغلًا بإصلاح ملابس أحد الزبائن، فيما تقف ابنته ياسمين إلى جواره تنقل له الطلبات بلغة الإشارة، وتساعده في التواصل مع الناس الذين يقصدون محله الصغير. وبينما تتحرك يداه بخبرة اكتسبها على مدار أكثر من أربعة عقود في المهنة، تتولى ابنته مهمة شرح التفاصيل التي لم يعد قادرًا على سماعها بنفسه.

هذا المشهد الذي بات جزءًا من يوميات الأب وابنته لم يكن مألوفًا قبل الحرب. فياسمين، الطالبة الجامعية التي تدرس علم النفس، وجدت نفسها أمام مسؤوليات جديدة فرضتها الظروف الصعبة التي مر بها والدها بعد إصابته وخسارته لمصدر رزقه، لتصبح شريكته في العمل وسنده في مواجهة التحديات التي ترافق محاولاته المتواصلة للعودة إلى مهنة الخياطة من جديد.

تروي ياسمين لـ "نوى" تفاصيل ما مرّ به والدها، قائلةً: "أصيب والدي في قصف إسرائيلي أمام منزلنا، فلم يعد قادرًا على ممارسة الخياطة كما كان في السابق. وبعد فترة طويلة حاول النهوض من جديد واستئناف عمله، لكن أزمة الكاش كانت العائق الثاني الذي واجهه في طريق العودة إلى المهنة".

وتضيف أن والدها كان يضطر، في كل مرة يحتاج فيها أحد الزبائن إلى إجراء تحويل مالي أو دفع عبر التطبيقات البنكية، إلى طلب مساعدتها، إذ كانت تقيم في الطابق العلوي، فتتولى متابعة الإجراءات بدلًا منه، وهو ما شكّل عبئًا إضافيًا عليه في ظل إصابته بشظايا في قدميه وصعوبة حركته، فضلًا عن التحديات التي يواجهها في التواصل مع من لا يفهمون لغة الإشارة.

ومنذ نحو عام، أصبحت ياسمين حاضرة بشكل يومي إلى جانب والدها في ورشة العمل، لا تكتفي بترجمة الإشارات للزبائن، بل تمتد مسؤولياتها لتشمل متابعة احتياجات المحل وشراء المستلزمات الضرورية وفحص آلة الخياطة، في ظل أزمة السيولة وارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية.

وتقول: "أحيانًا أكون في الجامعة، وأحيانًا أخرى هنا إلى جانب والدي، أحاول أن أوفق بين دراستي وبين مساعدته، لأنني أشعر أن وجودي أصبح ضروريًا حتى يستمر العمل، وحتى لا يشعر أنه يواجه كل هذه الظروف وحده".

أكثر من 45 عامًا أمضاها يحيى النجار في مهنة الخياطة، التي شكلت جزءًا أساسيًا من حياته، قبل أن تتحول ورشته الكبيرة في قلب مخيم النصيرات وسط قطاع غزة إلى ذكرى، بعد أن دمرها القصف الإسرائيلي خلال الحرب، وأتلف كل ما كان فيها من آلات ومعدات جمعها على مدار سنوات طويلة.

وتستذكر ياسمين لحظة الاستهداف الأولى التي غيّرت مجرى حياتهم، حين أدى قصف استهدف مربعًا سكنيًا مجاورًا إلى اندلاع النيران التي امتدت إلى المحل، لتلتهم كل شيء دون أن تترك خلفها سوى الركام والرماد، في مشهد تصفه ياسمين بأنه كان نقطة التحول الأصعب في حياتهم.

وتضيف أن والدها لم يتمكن من تجاوز الصدمة بسهولة، خاصة بعد خسارته مصدر رزقه الوحيد، ما أدى لاحقًا إلى تدهور حالته الصحية وإصابته بجلطة قلبية، زادت من صعوبة عودته إلى العمل كما كان في السابق، رغم محاولاته المستمرة للبدء من جديد.

ومع غياب البدائل، وجد النجار نفسه مضطرًا لمواصلة العمل بإمكانات محدودة للغاية، مستخدمًا آلة خياطة بسيطة تم توفيرها له، حيث كان يعمل لساعات قليلة يوميًا، ينجز خلالها أعمالًا خفيفة تتيح له الاستمرار دون أن يتوقف تمامًا عن ممارسة مهنته التي شكّلت جوهر حياته.

ورغم كل ما مر به، لا يزال يحيى النجار متمسكًا بأمله في استعادة محله القديم والعودة إلى عمله بشكل طبيعي، فيما تواصل ابنته ياسمين الوقوف إلى جانبه، محاولةً الموازنة بين دراستها الجامعية ومسؤوليتها اليومية تجاه والدها، في قصة تختصر جانبًا من معاناة عائلات كثيرة فقدت مصادر رزقها خلال الإبادة، لكنها ما زالت تحاول البقاء والصمود