في الحادي والعشرين من مايو 2026، صعد المبعوث الأممي نيكولاي ميلادينوف إلى منصة مجلس الأمن حاملًا تقريره الأول حول وقف إطلاق النار في غزة، فأطلق تحذيرًا لم يُخفِ قتامته: إن استمر الوضع على ما هو عليه، فقد يتحوّل الانهيار إلى حالة دائمة يصعب الخروج منها. لكن المفارقة اللافتة أن المبعوث الأممي، الذي يترأس مجلس السلام الذي أسسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ألقى باللائمة على حماس وحدها، متجاهلًا سجلًا إسرائيليًا تجاوزت فيه الانتهاكات 3000 خرق، خلّفت أكثر من 900 شهيد وألفي جريح، وسط إخلال متواصل بالتزامات إدخال المساعدات الإنسانية.
أعلن نتنياهو عزمه توسيع سيطرة الاحتلال على القطاع من 60% إلى 70% عبر ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"،
بعد أيام من ذلك التقرير، أعلن نتنياهو عزمه توسيع سيطرة الاحتلال على القطاع من 60% إلى 70% عبر ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، في تصعيد كشف أن الاتفاق لم يكن يُحتضر فحسب، بل باتت أطرافه تتحضر لما بعده. وفي هذا المناخ المشحون، وصلت إلى حماس دعوة قاهرية لبحث مقترح جديد، فتحوّل السؤال من "هل ينجح الاتفاق؟" إلى سؤال أكثر إلحاحًا: "هل ثمة ما يمكن إنقاذه أصلًا؟"
لا يبدو الجواب مبشرًا حين يُقرأ على ضوء ما سبق هذه الدعوة؛ فحماس رفضت، وفق ما يُفيد به المحلل السياسي الدكتور منصور أبو كريم، أكثر من عرض قدّمه مجلس السلام تضمّنت مكاسب سياسية معتبرة، مؤثِرةً التمسك بموقعها في السلطة وعدم التفريط بسلاحها، وهو موقف فسّره الاحتلال فورًا بوصفه ذريعةً جاهزة لتوسيع المنطقة الصفراء وتعزيز نفوذ الميليشيات الموالية له.
إسرائيل تتصرف بمنطق المتحكم بالمشهد العسكري، وتتعامل مع جهود الوسطاء باستعلاء مدروس، مدّعيةً أنها منحتهم وقتًا كافيًا لإقناع حماس
وترى الدكتورة ريهام عودة أن هذه المعادلة تكشف عن مأزق بنيوي؛ فإسرائيل تتصرف بمنطق المتحكم بالمشهد العسكري، وتتعامل مع جهود الوسطاء باستعلاء مدروس، مدّعيةً أنها منحتهم وقتًا كافيًا لإقناع حماس، وعلى هذا الأساس يجري تسويغ ما هو آتٍ، بينما يبقى موقف الوسطاء أضعف من أن يُشكّل ثقلًا حقيقيًا في الميزان.
مباحثات القاهرة تحمل في طياتها مقترحًا لن يخرج عن إطار محدد: الإبقاء على حماس كيانًا سياسيًا مع الحفاظ على جزء من هياكلها الإدارية
يتفق المحللان على أن مباحثات القاهرة تحمل في طياتها مقترحًا لن يخرج عن إطار محدد: الإبقاء على حماس كيانًا سياسيًا مع الحفاظ على جزء من هياكلها الإدارية، مقابل التنازل عن السلطة وتسليم السلاح لجهة فلسطينية، وهو إطار يجعل المشاورات، بحسب أبو كريم، "مباحثات الفرصة الأخيرة قبل انهيار الاتفاق"
لا يمكن قراءة التوسع في الخط الأصفر بمعزل عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأشمل، فنتنياهو لا يريد، وفق أبو كريم " لا بقاء حماس ولا عودة السلطة الفلسطينية ولا حتى سيطرة عسكرية مباشرة مكلفة؛ ما يريده هو قضم المزيد من الأراضي، وتوسيع نفوذ الميليشيات الموالية له، وإعادة هندسة البيئة الديموغرافية والجغرافية بما يضمن المصالح الإسرائيلية على المدى البعيد، وتحويل القطاع إلى بيئة طاردة تدفع سكانه إلى البحث عن مستقبل خارج أرضهم".
وتضيف عودة بُعدًا آخر لهذا المشهد، إذ ترى أن التصريحات بتوسيع الخط الأصفر لا تنفصل عن حسابات انتخابية داخلية؛ فنتنياهو يريد حسم ملف غزة قبيل الانتخابات الإسرائيلية وتقديم صورة انتصار لناخبيه، عبر مواصلة اغتيال القيادات وتضييق الخناق الجغرافي على ما تبقى من قيادة حماس حتى يُجبرها على الاستسلام. والمعادلة في نظرها بسيطة ومُحكمة، الحرب خدمة انتخابية بامتياز.
لكن ما يتشارك فيه التحليلان هو أن قرار مجلس الأمن 2803، الذي يشترط عودة السلطة الفلسطينية، يقف حجر عثرة أمام كل ما تسعى إليه إسرائيل، وهو ما يجعلها تتهرب من الانتقال إلى المرحلة الثانية بينما تجد في موقف حماس غطاءً مناسبًا لهذا التهرب.
الاحتلال ماضٍ نحو تصعيد التضييق الإنساني دون بلوغ عتبة المجاعة التي أضرّت بصورته دوليًا
على الأرض، يترجم هذا كله واقعًا إنسانيًا ينزف ببطء. يرجّح أبو كريم أن الاحتلال ماضٍ نحو تصعيد التضييق الإنساني دون بلوغ عتبة المجاعة التي أضرّت بصورته دوليًا، ويتجلى ذلك في سحب تراخيص المنظمات الإنسانية أو فرض شروط تعجيزية لتجديدها، مما أفضى إلى شُح متزايد في المساعدات وارتفاع حاد في الأسعار، يجعل المواطن يكابد في تأمين أبسط احتياجاته. أما السيناريو الأقتم في نظره، فهو توسيع المنطقة الصفراء حتى 90%، وحشر السكان في رقعة ضيقة في غرب القطاع، مع تصعيد عسكري تحكمه مآلات الجبهتين اللبنانية والإيرانية.
تتقارب قراءة المحللَين حول ما قد تُسفر عنه مباحثات القاهرة؛ فمجلس السلام، وفق عودة، سيُركّز على الملف الحكومي ونقل الإدارة المدنية، مُرجِئًا ملف السلاح لما ستحسمه الوقائع الميدانية، مع احتمال تدخله مستقبلًا عبر إرسال قوات دولية وتمكين لجنة إدارية من تسيير الشأن المدني، أما السلطة الفلسطينية، فرغم السياسة الإسرائيلية الثابتة في تهميشها، ثمة وعود أممية بتسليمها القطاع عقب انتهاء مهمة المجلس، فيما انتهت محاولة استقطاب محمد دحلان لإدارة غزة إلى طريق مسدود، وهو ما يعكسه الكشف الإعلامي العبري عن لقائه برئيس الشاباك بوصفه رسالة إحباط لا إعلان نجاح.
لكن في نهاية المشهد، يظل القاسم المشترك بين كل هذه السيناريوهات واحدًا: غزة لن تُدار حتى تنتهي معركة من يُديرها، وبينما تدور تلك المعركة على الطاولات وخلف الأبواب الموصدة، يمضي المدنيون في حمل ما لا طاقة لهم به.
