قطاع غزة:
"في كل مرة يهلّ فيها موسم الحج، أشعر بغصة في قلبي تترجم مرضًا في جسدي، وأنا أرى العالم يتجه نحو مكة بينما نركع نحن هنا تحت مقصلة الانتظار"، بهذه الكلمات المؤثرة تختصر حنان أبو فول في الخمسينيات من عمرها، مأساة تعيشها هي وآلاف الأهالي في قطاع غزة.
حنان التي ترقب اسمها في قوائم المسجلين لسنوات دون جدوى، باتت ترى حلمها يبدد خلف معابر مغلقة؛ فبينما تحج الناس من سائر أرجاء الأرض وتتدفق الوفود من مختلف أنحاء العالم إلى مكة المكرمة لأداء المناسك وسط أجواء إيمانية واستعدادات مكثفة.
إلا أن الناس بغزة يبقون رهائن للموت بعدما أوصدت إسرائيل المعابر وأحكمت حصارها الخانق منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023.
71 شخصًا قد وافتهم المنية ودُفنوا في غزة دون أن يتمكنوا من أداء الفريضة.
تقول إنها على مدار ثلاث سنوات، في كل مرة تتابع فيها مواسم الحج عبر شاشة الهاتف تغلبها دموعها التي تفيض فيواسيها أبنائها بأنها ستكون معهم ذات يوم، وإن طالت المدة.
وتضيف: "أنا بحاجة الذهاب للحج أكثر من أي وقت مضى، بعد ما كل ما عشناه تحت الحرب نحتاجها فعلا، إيمانيًا وعاطفيًا وترويحًا عن النفس".
وعلى مقربة من حنان، يجلس زوجها عدنان ليروي جانبًا آخر من هذا الحرمان المستمر منذ ثلاثة أعوام، قائلًا: "للناس أحلام كثيرة في حياتها، أما أنا فحلم حياتي الوحيد هو أن أحج وأصل إلى الكعبة الشريفة، لكن الحصار يحرمنا حتى من أبسط أشواقنا الروحية".
يتأمل وزوجته شاشة الهاتف، يُكبران مع الحجاج بينما يلتف أبنائهما حولهما وينظران إليهما بأسى، فأبسط الأمور التي يعيشها الناس حول العالم، تحولت إلى حلم بعيد المنال تحت الحصار الإسرائيلي.
وفي ذات السياق، تخبرنا السبعينية إيمان عليوة فصلًا آخر من فصول المعاناة الشائكة، بأنها تخشى أن يدركها الموت قبل تحقيق حلمها برؤية بيت اللح الحرام، فاسمها مدرج بالقرعة منذ سنوات، وكلما حزمت الحقائب في خيالها، تصطدم بواقع غزة الذي يفزعها عبر صوت انفجار ليحرمها الخيال أيضًا.
تؤكد إيمان بأن الحج بالنسبة لها ليس مجرد رحلة، بل أمنية العمر التي نخشى أن تدفن معها تحت ركام غزة، بعد كل الظروف المأساوية وفرص النجاة التي حمتها من نيران القصف الإسرائيلي.
هذا الحرمان الجماعي لحجاج القطاع، يأتي في ظل إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي المعابر في وجه 10 آلاف حاج من قطاع غزة، وهي الحصة الرسمية المخصصة للقطاع على مدار المواسم الثلاثة الماضية.
وفي هذا الصدد، أكدت وزارة الأوقاف الفلسطينية أن آلاف المسجلين ما يزالون ينتظرون دورهم وسط مناشدات مستمرة لفتح المعابر والسماح لهم بالمغادرة، غير أن هذا الانتظار قد يكون قاتلاً أحياناً؛ إذ كشف مسؤول في الوزارة أن 71 شخصًا قد وافتهم المنية ودُفنوا في غزة دون أن يتمكنوا من أداء الفريضة.
78 شركة، قد تعرضت للتدمير الكامل أو الجزئي جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة.
ويشير إلى عجز الوزارة عن تسيير مواسم الحج بسبب غياب الضمانات بفتح المعابر، فضلًا عن تعقد الإجراءات المسبقة التي تتطلبها رحلة السفر.
ولم تقتصر المعاناة على الجانب البشري واللوجستي، بل امتدت لتطال البنية التحتية لهذا القطاع؛ بعد تدمير نحو 90% من مكاتب وشركات الحج والعمرة في غزة، والبالغ عددها 78 شركة، قد تعرضت للتدمير الكامل أو الجزئي جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة.
وعبّر أحد الغزيين للجزيرة عن حسرته العميقة لكون أهالي غزة يفتقدون اليوم مراسم ومشاهد الحجيج وهم يستعدون للذهاب إلى الحج، حيث كان القطاع يشهد في مثل هذه الأيام احتفالات وداع كبيرة ومبهجة للمغادرين نحو البقاع المقدسة، تحولت اليوم إلى صمت يملأه القهر والانتظار.
