قطاع غزة:
"هل تذكر في مثل هذه الأيام، عندما كنت أذهب معك لشراء خروف العيد يا أبي؟".. يسأل الطفل آدم والده مستذكرًا تفاصيل سابقة لعيد الأضحى، بينما يجلسان أمام خيمة نزوحهم في منطقة المواصي غرب خان يونس ينتظران قدوم سيارة المياه لتزويد المخيم بها بعد انقطاع أيام.
قبل الحرب، كان عيد الأضحى في غزة يبدأ مبكرًا؛ جولات في الأسواق، وأصوات الخراف تملأ الشوارع، وأطفال يتباهون بخراف العيد المربوطة أمام البيوت. أمّا اليوم، وللعام الثالث على التوالي من الإبادة، صار العيد يمرّ ثقيلًا على قطاع أنهكته المجاعة والنزوح والفقد، حتى غدت الأضحية حلمًا بعيدًا عن معظم العائلات.
في أحد الأسواق الشعبية وسط القطاع، تتراصّ أعداد قليلة من الخراف الهزيلة داخل حظائر شبه فارغة، بينما يكتفي معظم المارّة بالمشاهدة.
تعرض أكثر من 85% من القطاع الزراعي لأضرار مباشرة بفعل القصف الإسرائيلي والتجريف وإغلاق المعابر.
الأسعار وحدها كفيلة بإبعاد الناس؛ فثمن الخروف الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو ألف شيكل، تجاوز اليوم ما بين 11 و15 ألف شيكل، فيما وصلت بعض الأضاحي إلى أكثر من 23 ألف شيكل، أي قرابة 7 آلاف دولار، نتيجة النقص الحاد في المواشي ومنع إدخالها عبر المعابر.
يقف محمد خضر (52 عامًا) قرب ما تبقى من حظيرته في دير البلح، يراقب الخراف القليلة التي نجت من الحرب، قائلًا: "قبل الحرب كان موسم العيد بالنسبة إلنا موسم رزق وحياة. كنا نبيع عشرات الخراف يوميًا، والناس كانت تشتري رغم الظروف. اليوم السوق ميت، وحتى اللي بده يشتري ما معه".
خسر الرجل أكثر من 200 رأس غنم خلال الحرب، بعضها قضى تحت القصف، وأخرى نفقت بسبب نقص الأعلاف والمياه والأدوية البيطرية.
ويضيف: "الناس دائمًا تلومنا بسبب الأسعار وهذا حقهم، لكن الحقيقة أن المواشي نفسها اختفت. الأعلاف نادرة جدًا، وسعر الكيس تضاعف مرات كثيرة، وكل شيء صار مكلفًا وسط غياب الكهرباء والمياه".
وبحسب بيانات وزارة الزراعة في غزة، تراجعت أعداد الأغنام والماعز من نحو 60 ألف رأس قبل الحرب إلى قرابة 3 آلاف فقط، بينما اختفت الأبقار والعجول المخصصة للذبح تقريبًا من الأسواق، كما تعرض أكثر من 85% من القطاع الزراعي لأضرار مباشرة بفعل القصف الإسرائيلي والتجريف وإغلاق المعابر.
في مخيم نزوح غرب غزة، تجلس هيام اسكافي داخل خيمتها، بينما ينشغل أطفالها بالحديث عن العيد كما لو كان حكاية لن تتكرر مجددًا بعدما فقدوا منزلهم وأباهم جراء الإبادة، تقول الأربعينية: "منذ سنتين لم نذق لحم الأضحية، أولادي صاروا يتذكرون كيف كان العيد قبل الحرب، وكيف كنا نوزع اللحمة ونزور الناس".
كانت هيام تشارك إخوتها كل عام في شراء أضحية، لكن الأمر بات مستحيلًا، بعدما فقدت زوجها وصارت تعتمد على المساعدات الشحيحة في عيشها.
تكمل: "حتى لو جمعنا كل ما نملك لن نستطيع شراء جزء من خروف. الناس اليوم تبحث عن الطحين والمياه قبل أي شيء. العيد زمان كان فرحة ولمة ورائحة شواء. اليوم لا يوجد إلا الخوف والجوع وانتظار الليل".
أمّا المزارع جمال النادي، الذي ورث تربية المواشي عن والده، فيقول إن الحرب لم تدمر موسم الأضاحي فقط، بل قضت على مهنة عمرها عشرات السنين، حيث كانت مزرعته في حي الزيتون بمدينة غزة تضم عشرات العجول والأغنام قبل أن تتعرض للتدمير الكامل خلال الاجتياح الإسرائيلي.
قُدّرت فيه خسائر القطاع الزراعي والنظام الغذائي بما يتراوح بين 3.4 و4 مليارات دولار.
"فقدت نحو 70 عجلًا دفعة واحدة، ولا أعرف إن كانت احترقت أو نفقت أو صودرت"، يتحدث الرجل، موضحًا أن خسائره تجاوزت 400 ألف دولار.
قبل الحرب، كان يستعد لموسم الأضاحي بإدخال ما بين 200 و250 عجلًا، أما اليوم فلم يتبقَّ شيء تقريبًا، وإن توفر بسعر "جنوني" فإن الناس المقتدرة أيضًا لم تعد قادرة على الشراء بعدما صار ثمن خروف واحد اليوم قد يساوي دخل سنة كاملة لعائلة نازحة.
ومع استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي والأعلاف، يحذر مختصون من انهيار شبه كامل لقطاع الثروة الحيوانية في غزة، في وقت قُدّرت فيه خسائر القطاع الزراعي والنظام الغذائي بما يتراوح بين 3.4 و4 مليارات دولار.
