في كل مرة يذهب فيها عادل القدرة (45 عامًا) لصرف مبلغ من الدينار الأردني الذي ادّخره من تجارته قبل الحرب، يصطدم بتدني سعر صرفه بأقل من سعره الرسمي، لكنه مضطر لهذا التحويل كي يدبّر شؤون حياته اليومية ويوفر مستلزمات أسرته.
قبل حرب الإبادة ولسنوات طويلة، كان القدرة يعتبر عملة الدينار التي يدّخرها للزمن بمثابة "طوق النجاة"، يقول لـ"نوى": "القرش الأبيض ما نفعني في اليوم الأسود فقط لأنني في غزة التي تسير بلا أي قانون".
العملة التي طالما اعتبرها "الأكثر أمانًا" تحوّلت فجأةً داخل القطاع المُحاصر إلى عبءٍ ثقيل يلتهم جزءًا من قيمتها كلما حاول استخدامها أو تصريفها.
أدرك القدرة مؤخرًا أن العملة التي طالما اعتبرها "الأكثر أمانًا" تحوّلت فجأةً داخل القطاع المُحاصر إلى عبءٍ ثقيل يلتهم جزءًا من قيمتها كلما حاول استخدامها أو تصريفها.
ويُلقي القدرة باللائمة على الجهات الرقابية والمصرفية في عدم محاسبة التجار والصرافين وتجار الذهب الذين يتحكمون في سعر الصرف.
"لا بد من تدخل مباشر من البنوك وسلطة النقد لضبط التحويلات ووقف هذا التلاعب في قيمة العملة".
ويضيف: "لا بد من تدخل مباشر من البنوك وسلطة النقد لضبط التحويلات ووقف هذا التلاعب في قيمة العملة".
على غرار ما يعانيه القدرة، يشعر سامي -اسم مستعار- بغصة بالغة كلما توجّه لصرف مبلغ من مدخراته بالدينار، التي تبقّت له نظير عمله بإحدى الجامعات في غزة، ويقول لـ"نوى": "كنت أظن أن الدينار سيحميني وقت الأزمات، لكنه صار يذبحني كلما أردت تحويله للشيكل وشراء حاجياتي، ولا أحد يقبله كالسابق".
ويضيف بحسرة: "ما عندي خيار آخر، إما أصرف وأخسر، أو أبقى بلا طعام مع زوجتي وأطفالي".
كانت السوق الغزية تستخدم الدينار الأردني في عدة قطاعات؛ مثل بيع وشراء الأراضي وبعض العقارات، ودفع المهور والرسوم الجامعية، والدفع لموسم الحج
قبل الحرب، كانت السوق الغزية تستخدم الدينار الأردني في عدة قطاعات؛ مثل بيع وشراء الأراضي وبعض العقارات، ودفع المهور والرسوم الجامعية، والدفع لموسم الحج، فضلاً عن دفع رواتب شريحة من الموظفين والمتقاعدين، إضافة إلى بعض التحويلات القادمة من الضفة أو الأردن.
ورغم أن الشيكل ظل العملة الأكثر تداولاً في السوق الغزية، إلا أن الدينار احتفظ بقيمته نسبيًا داخل السوق، إذ اعتبر كثيرٌ من الغزيين أنه الوسيلة "الأكثر استقرارًا" لحفظ أموالهم ومدخراتهم، خاصة في ظل التقلبات الاقتصادية المتكررة وعدم استقرار الأوضاع الميدانية.
بيد أن ما كان يُنظر إليه سابقًا كملاذ آمن" تحوّل بعد الحرب إلى مصدر خسائر متواصلة، تُلحق الضرر مباشرةً بالفئات التي تحتفظ بجزء من مدخراتها بالدينار، أو بباقي المعاملات التي جرت العادة أن تتم بهذه العملة.
اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وسعر تداوله الفعلي في السوق، في مؤشر واضح على تراجع كفاءة آليات التسعير وفقدان التوازن بين العرض والطلب.
وصف الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر المشكلةَ بأنها اختلالٌ نقديٌ حاد يتمثل في اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وسعر تداوله الفعلي في السوق، في مؤشر واضح على تراجع كفاءة آليات التسعير وفقدان التوازن بين العرض والطلب.
وقال أبو قمر لـ"نوى": "إن سعر الدينار الأردني رسميًا وعبر الشاشات يبلغ أكثر من أربعة شواكل، لكنه فعليًا لا يُقبل في الأسواق، وفي حال قُبل فيُصرف بنحو 3 شواكل فقط، أي بفجوة تزيد على شيكل للدينار الواحد".
"هذه الفجوة تعني خسارة مباشرة لأكثر من ربع القيمة، وهي نسبة مرتفعة لا يمكن تفسيرها اقتصاديًا
ويضيف الباحث في الاقتصاد: "هذه الفجوة تعني خسارة مباشرة لأكثر من ربع القيمة، وهي نسبة مرتفعة لا يمكن تفسيرها اقتصاديًا في ظل استقرار سعر الدينار عالميًا وارتباطه بالدولار الأميركي".
تبسيطًا لهذه المعضلة المتفاقمة، أشار أبو قمر إلى أنه إذا افترضنا أن فردًا يحتفظ بعشرة آلاف دينار أردني، فإن قيمتها النظرية تبلغ نحو 41.5 ألف شيكل تقريبًا، بينما عند التحويل الفعلي لن يحصل إلا على نحو 30 ألف شيكل، أي بخسارة تتجاوز 11 ألف شيكل دفعةً واحدة، مضيفًا: "هذه ليست تقلبات سوق، بل إعادة تسعير قسرية للأصول النقدية خارج الأطر الرسمية".
ولا يعتبر أبو قمر أن المشكلة الأساسية تكمن في العملة نفسها، بل في هيكل السيولة داخل السوق الغزية، موضحًا: "الشيكل يسيطر على التداولات اليومية في القطاع مما يمنحه أفضلية سيولة، بينما يعاني الدينار من اختناق نقدي يدفع التجار إلى تسعيره بخصم مرتفع لتعويض مخاطر إعادة تداوله".
ويحذّر أبو قمر من استمرار هذا الوضع قائلاً: "هذا سيهدد بتآكل المدخرات المقوّمة بالدينار وسيُضعف الثقة بأي أداة ادخارية لدى المواطن في غزة".
الحل يبدأ بتقليص فجوة السعر عبر ضبط سوق الصرافة وتعزيز الدفع الإلكتروني ورفع كفاءة تدفق السيولة
ويرى أبو قمر أن الحل يبدأ بتقليص فجوة السعر عبر ضبط سوق الصرافة وتعزيز الدفع الإلكتروني ورفع كفاءة تدفق السيولة، لأن ترك السوق على هذه الصورة يعني عمليًا فرض "ضريبة غير معلنة" على حاملي الدينار، على حد وصفه.
وما بين اتساع أزمة السيولة وانهيار المنظومة الاقتصادية جراء الحرب، يجد آلاف الغزيين أنفسهم عالقين بين عملة يحتفظون بها كمدخرات، وسوق لا يعترف بقيمتها الحقيقية.
