"مضرج بالدماء" فاز الفيلم وغاب صاحب العدسة
تاريخ النشر : 2026-05-24 13:04

بفرحة مجروحة وحزن عميق، جاء تتويج الفيلم الوثائقي Soaked in Blood "مضرج بالدماء" بجائزة ويبي (Webby)، إحدى أرفع جوائز الإنتاج الرقمي في العالم والمعروفة بـ"أوسكار الإنترنت"، لكن منصة التتويج وقفت شاهدة على غياب صاحب العين التي وثّقت المأساة — غياب دائم فرضته صواريخ الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الغائب الحاضر هو المصور الصحفي محمد سلامة، الذي رحل وهو ممسك بكاميرته، بعد نحو أسبوعين فقط من إنجاز تصوير الفيلم، إثر غارة جوية إسرائيلية في أغسطس من العام الماضي استهدفت مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.

كان سلامة يترقب أياماً قادمة تحمل أحلاماً كثيرة، في مقدمتها يوم زفافه الذي كان ينتظره مع خطيبته الصحفية هلا عصفور، كانت مناسبات الفرح تقترب منه، لكنه لم يبلغها؛ إذ خطفته الغارة قبل أن يكتمل الحلم، تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه سوى الذكرى.

في مشهد يمزج بين ألم الفقد وفخر الإنجاز، كتبت هلا عصفور عبر حسابها على إنستغرام عقب إعلان الفوز: "لم يكن هذا الفيلم مجرد مهمة عابرة.. كان بدايتنا أنا ومحمد، وأصبح نهايتنا مع الأسف، بعد أسبوعين فقط من إنجازه، استشهد محمد في ضربة استهدفت مجمع ناصر الطبي."

وتُضيف: "أنا فخورة بهذا العمل وبكل الطاقم القائم عليه. أشعر بالفخر لأن هذا الفيلم يحمل الكثير من روحه وصوته ونظرته وإيمانه بالرسالة التي نوثقها، محمد لن يشاهد هذا التتويج، لكن كل ما في هذا الفيلم يشبهه، وسأبقى ما حييت أكمل الطريق الذي بدأناه معاً."

يوثّق "مضرج بالدماء" الساعات الأخيرة في حياة الشاب أمين سمير خليفة، ويكشف بالدليل والتحليل كيف وجّهت قوات الاحتلال حشود المدنيين المجوعين نحو مسارات ادّعت أنها آمنة

سلامة واحد من قائمة طويلة من الشهداء الصحفيين الذين حوّلتهم قوات الاحتلال إلى أهداف ممنهجة خلال حرب الإبادة، في محاولة لقتل الشهود وارتكاب الجرائم بعيداً عن عيون الحقيقة، وبحسب توثيق نقابة الصحفيين الفلسطينيين، استشهد 262 صحفياً وصحفية منذ السابع من أكتوبر 2023، في ما يُوصف بأنه أكبر مجزرة بحق الصحافة في التاريخ الحديث.

يوثّق "مضرج بالدماء" الساعات الأخيرة في حياة الشاب أمين سمير خليفة، ويكشف بالدليل والتحليل كيف وجّهت قوات الاحتلال حشود المدنيين المجوعين نحو مسارات ادّعت أنها آمنة للحصول على المساعدات، لتتحول تلك المسارات إلى مصائد للقتل.

"بقلب منقسم بين فرح وحرقة" — هكذا يصف مخرج الفيلم محمد شلبي استقباله الجائزة في غياب أحد صانعيها ويقول: "هذا الفيلم لم يكن ليُصنع لولا محمد سلامة وزملاؤه على الأرض في غزة، هم العين والأذن واليد التي وثّقت ما رأيناه نحن في لندن، الجائزة في الحقيقة لهم وليس لي."

ويتوقف شلبي عند اسم آخر: "لا أستطيع أن أتحدث عن هذا الفوز دون أن أذكر الزميل أنس الشريف، الذي كان اغتياله أحد الأسباب التي جعلتني أغادر بي بي سي. قتلهم لم يكن اعتباطاً، بل محاولة مقصودة لإسكات الرواية من مصدرها، أن نكمل العمل وأن نُسمع أصواتهم في المنصات الدولية الكبرى، هو أقل ما نستطيع تقديمه لذكراهم."

شلبي صانع أفلام وثائقية ومنتج فيديو مقيم في لندن، عمل على مدار عشر سنوات في قنوات فضائية عالمية، وكان آخر مواقعه منتجاً إبداعياً في BBC Verify، حيث أنجز أكثر من 100 تحقيق رقمي بصري حول حرب الإبادة الإسرائيلية وقضايا دولية أخرى.

وعن منهجية الفيلم، يوضح شلبي أن الفريق عمل انطلاقاً من لقطات هاتف الضحية الشخصي وتحقيقات المصادر المفتوحة وشهادات من كانوا حوله، حتى تحوّلت هذه المواد إلى "دليل بصري متماسك يصمد أمام أي مراجعة قانونية."

الأفلام الوثائقية تمنح المشاهد وقتاً ومساحة وشخصاً حقيقياً يصغي إليه. "والأهم أنها تسجل في الأرشيف الدائم للبشرية

يرى شلبي أن نشرات الأخبار الغربية أخفقت في حمل هذه القصة كما تستحق، إذ اتسمت تغطيتها بالتذبذب ولجأت إلى "لغة محايدة في غير محلها، وسقف تحريري يرتفع وينخفض حسب هوية الضحية."

في المقابل، يؤمن بأن الأفلام الوثائقية تكسر هذا السقف؛ لأنها تمنح المشاهد وقتاً ومساحة وشخصاً حقيقياً يصغي إليه. "والأهم أنها تسجل في الأرشيف الدائم للبشرية:" بعد عشر سنوات، حين يسأل أحدهم ماذا كنا نعرف وقت أن كان ذلك يحدث، ستكون هذه الأفلام هي الإجابة."

ويعكف شلبي حالياً على مشاريع في مراحل مختلفة من التطوير، بعضها يكمل خط التوثيق الجنائي الذي بدأه "مضرج بالدماء"، وبعضها يتجه نحو القصص الإنسانية الأطول التي لا تتسع لها نشرة أخبار من دقيقتين. ويختم: "ما دام في غزة من يصوّر ويشهد ويروي، فإن واجبنا نحن في الخارج أن نضمن أن هذه المواد تجد طريقها إلى الشاشة بأعلى معايير الصدق والحرفة."