نابلس - شبكة نوى :
في هدوء الليل، حين تخفت الحركة في قرى شمال الضفة الغربية، يظهر زائرٌ مرعب لا يُرى إلا بآثاره، تلمع عيناه في العتمة، ويتنقّل بين الحقول والسلاسل الحجرية، مخلّفًا وراءه أرضًا منكوبة ومحاصيل مدمرة.
لم يعد الخنزير البري مشهدًا عابرًا في الأرياف الفلسطينية، بل تحوّل إلى واقعٍ ثقيل يفرض نفسه على حياة المزارعين، يستنزف جهدهم ويضاعف خسائرهم، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية، أو تلك المصنفة محميات طبيعية، حيث تتداخل العوامل لتجعل من الأرض ساحة استنزاف مستمر.
كابوس يطارد المزارعين
في قرية النصارية شرق نابلس المحاصرة بمستوطنات أبرزها ألون موريه وحمرا، إلى جانب عدد آخر من البؤر الاستيطانية الرعوية، يروي المزارع خالد حمدان (54عامًا)، كيف تحوّلت الخنازير البرية إلى تهديد يومي يطارد أرضه ومصدر رزقه، فحقوله الخضراء الموسمية والقمح والشعير والذرة لم تعد بمنأى عن هجمات هذه الحيوانات التي تتسبب بخسائر اقتصادية فادحة للمزراعين في قريته التي يعتمد سكانها أساسًا على الزراعة.
ويعقب: "أحيانًا أستمر بالعمل في أرضي حين يحل الظلام، فأفاجأ بها تقتحم الحقل، ومع كثرتها أحتار كيف أتصرف، فليس لدي سلاح أدافع به عن نفسي وأرضي، عندها أشغِّل الجرار الزراعي، وأطلق الزامور والأضواء القوية، وألاحقها حتى تفر من المكان، لكن هذا حل مؤقت، فالمعركة معها يومية ولا تنتهي".

وعن الوسائل التي جربها لمواجهة هذه الظاهرة، يوضح: "جربت الكثير من الطرق، لكن أكثرها فاعلية كان إحاطة الأرض بأعمدة معدنية وربطها بأسلاك كهربائية منخفضة الارتفاع، فعندما يتقدم أحدها نحو الأرض، يلامس الأسلاك فيتعرض لصعقة كهربائية تدفعه للهرب".
يضيف: "ألجأ إلى هذه الطريقة خصوصًا عند زراعة الذرة، لأن الخنازير البرية تعشقها، فما إن تبدأ أكواز الذرة بالنضج حتى تهاجمها ليلًا بشكل متكرر، حتى تأتي على المحصول بالكامل".
ويشرح حمدان سبب تزايد أعداد الخنازير البرية بأنها تتكاثر بسرعة كبيرة، إذ تلد الأنثلا مرتين سنويًا، ويتراوح عدد صغارها بين 6-12 في كل مرة، عدا عن إطلاق المستوطنين لها بين أراضيهم الزراعية.
يصمت قليلًا ويضيف: "الغاية من ذلك، هو تكريس بيئة طاردة للفلاح الفلسطيني، ودفعه تدريجيًا ليهجر أرضه التي تقف أمام التوسع الاستيطاني".
الليل وغارات الخنازير
الخمسينية أم العبد، تقطن في طرف بلدة عزون شرق قلقيلية، وتزرع الأرض المحيطة بمنزلها لتأمين احتياجات أسرتها اليومية من الخضراوات والحبوب، تقول: "ما إن تبدأ النباتات بالنمو حتى تبدأ معاناتنا مع الخنازير البرية، تجتاح الأرض ليلًا، وتهاجم المزروعات بلا رحمة، خصوصًا أحواض البصل والبازيلاء والكوسا والبقدونس، فتأكل ما تجده أمامها، وتقتلع النباتات من جذورها".
أم العبد : لا تكتفي الخنازير بأكل المزروعات، بل تكسر سيقان القمح والشعير، وتُسقط السنابل أرضًا وتدوسها بحوافرها، فيضيع تعب الموسم في ليلة واحدة
وتضيف أن المعاناة لا تقتصر على الأراضي الزراعية فقط، إذ باتت الخنازير البرية تتجول ليلًا في الشوارع الفرعية بين المنازل، وتنبش حاويات القمامة بحثًا عن الطعام، ما يثير خوف السكان، خاصة الأطفال.
وتردف: "لا تكتفي الخنازير بأكل المزروعات، بل تكسر سيقان القمح والشعير، وتُسقط السنابل أرضًا وتدوسها بحوافرها، فيضيع تعب الموسم في ليلة واحدة".
وتتابع: "عادة ما يبدأ الأمر بنباح الكلاب بشكل هستيري، فنفهم أن هناك دخيلًا في الأرض. فنخرج حاملين الكشافات ذات الإضاءة القوية، ونُحدث ضجيجًا بكل ما نستطيع لطردها، لكننا نبقى في حالة استنفار وخوف حتى تغادر المكان".
وتشير إلى أن العائلة تقدمت بشكاوى للبلدية، مطالبة بإيجاد حلول حقيقية لهذه الظاهرة، "لكن دون فائدة".
وتوضح أن الاعتداءات المتكررة للخنازير تضطرها في كثير من الأحيان إلى إعادة زراعة البذور والأشتال أكثر من مرة خلال الموسم الواحد، ما يضاعف التكاليف ويزيد من الأعباء على الأسرة.
ولا تتوقف الأضرار، بحسب أم العبد، عند حدود تدمير المحاصيل، بل تمتد إلى تخريب البنية الزراعية نفسها، إذ تقول: "الخنازير تعبث بشبكات الري، فتُحدث ثقوبًا في أنابيب المياه، وتفصلها عن بعضها، كما تنبش التربة بأنيابها وأنوفها التي تشبه الخراطيم بشكل عشوائي بحثًا عن ديدان الأرض لتأكلها، فتترك الأرض مقلوبة ومخربة بالكامل".
تهديد يثقل توازن الطبيعة
يؤكد المهندس إبراهيم الحمد، مدير زراعة سلفيت، أن المزارع الفلسطيني لم يعد قادرًا على ممارسة الزراعة كما في السابق، بفعل تراكم العقبات التي تحاصر الأرض والإنسان معًا.
ويوضح إن الخنازير البرية باتت تشكل تهديدًا مباشرًا للمزارعين، إذ لا يقتصر ضررها على إتلاف المحاصيل وتخريب النباتات، بل يمتد إلى تعريض حياة المزارعين للخطر، مع تكرار حالات الهجوم، خاصة أثناء جمع الفطر ونبات العكوب شتاءً.
ويضيف أن هذه الحيوانات تختبئ نهارًا تحت الأشجار الكثيفة مثل البلوط والسريس وفي المناطق الرطبة ومجاري المياه العادمة هربًا من الحر، وتنشط ليلًا وتتنقل في قطعان من الإناث والصغار بحماية ذكر قوي، لتجوب الحقول بحثًا عن الغذاء.
الحمد : كان تدخّل الاحتلال سببًا رئيسيًا في تفاقم ظاهرة الخنازير البرية، سواء من خلال منع صيدها أو تقييد إدخال المبيدات التي يمكن استخدامها للحد من انتشارها
ويشير إلى أن محافظة سلفيت كانت من أوائل المناطق التي شهدت انتشارًا للخنازير خلال تسعينيات القرن الماضي، موضحًا أن الأهالي شاهدوا حينها مستوطنين يحضرونها في شاحنات ويطلقونها في الأراضي الزراعية.
ويقول: "تكاثرت الخنازير حتى تحولت إلى خطر حقيقي، وأصبحت عاملًا أربك التوازن البيئي بصورة واضحة، وكان تدخّل الاحتلال سببًا رئيسيًا في تفاقم ظاهرة الخنازير البرية، سواء من خلال منع صيدها أو تقييد إدخال المبيدات التي يمكن استخدامها للحد من انتشارها".
وأضاف: "حاولت المؤسسات الفلسطينية، من بلديات ووزارة زراعة وجهات أخرى، إيجاد حلول لهذه المشكلة، لكن مع تضييق الاحتلال وتقييد الإمكانات، أصبحت الوسائل المتاحة محدودة للغاية".
ورغم ذلك، يوضح الحمد أن وزارة الزراعة تشجع، على تسييج الأراضي قبل زراعتها وتثبيت الأسوار بشكل جيد للحد من اقتحام الخنازير، مشيرًا إلى أن الوزارة توفر أحيانًا تمويلًا جزئيًا للمزارعين لمساعدتهم على تنفيذ هذه الإجراءات الوقائية.
لم تعد الخنازير البرية مجرد ظاهرة بيئية في الضفة، بل عبء يومي يهدد الأرض والمحاصيل واستقرار المزارعين. وفي ظل محدودية الحلول وتعقيدات الواقع الذي يفرضه الاحتلال، يبقى الفلاح الفلسطيني وحيدًا في مواجهة ليل طويل، يترقب أصوات تحركاتها بين الحقول، مدركًا أنه مع الفجر قد يكتشف خسارة موسم جديد، في معركة مستمرة للدفاع عن أرضه وبقائه فيها.
