اغتيال "الجمعة" في غزة: جغرافيا الرزق التي صارت قبورًا
تاريخ النشر : 2026-05-07 16:38
صورة تعبيرية

قطاع غزة:

على جانب طريق مهشّم وسط مدينة غزة، حيث تنحشرُ الأجساد في ضيقِ النزوح، التقت عينان لم تألفا هذا العوز من قبل! وقف ممدوح زين الدين (54 عامًا)، الذي يعرفه الناس بـ"سلطان العطارة" في سوق الجمعة بالشجاعية، أمام بسطةٍ هزيلة يملكها "أبو العبد"، الذي كان لسنواتٍ أحد كبار تجار الأجهزة الكهربائية في سوق الأربعاء بخانيونس جنوبي القطاع.

"يا ممدوح.. هل كنت تتخيل أن نجتمع على قارعة الطريق هنا نبيع البقوليات بدل صخب سوق الجمعة؟" سأل أبو العبد صديقه ساخرًا، هزَّ ممدوح رأسه وهو يتفحص حفنة من توابل رديئة: "كنا نملك الدنيا في أسواقنا يا صاحبي.. اليوم، لا نحن نعرف أي يوم في الأسبوع، ولا البضائع تشبه تلك التي كانت تعبر إلينا من مصر، لقد سرقت منا الحرب الأماكن والذكريات".

قبل حرب الإبادة التي وقعت في السابع من أكتوبر لعام 2023، كانت الأسواق الأسبوعية في غزة بمثابة "الناظم الزمني" والاجتماعي لهوية القطاع، إذ كان الكثير من الغزيين يضبطون ساعتهم على وقع المدن؛ فلكل يومٍ مدينة، ولكل مدينةٍ سوق يمتد كشريان حياة يضخ السلع بأسعارٍ تنحاز للفقراء والمحاصرين، وفيها، لم يكن شرطًا أن تكون تاجرًا كبيرًا لتعرض البضائع، بل بإمكان أي شخص أن يفتتح بسطة وفق إمكاناته، يكفي أن يحجز لنفسه ولو مترًا واحدًا لعرض منتوجاته.

"سوق السبت" في رفح، كان يمتد من ميدان العودة حتى تخوم الحدود المصرية، ذاك السوق الذي كان في الستينيات قبلةً للفنانين المصريين الباحثين عن جودة القماش.

تبدأ الحكاية من "سوق السبت" في رفح، الذي يمتد من ميدان العودة حتى تخوم الحدود المصرية، ذاك السوق الذي كان في الستينيات قبلةً للفنانين المصريين الباحثين عن جودة القماش، ظل حتى عشية حرب الإبادة المركز الأول لتدفق بضائع الأنفاق والتجارة الحدودية.

ثم يرتد النبض شمالًا إلى "سوق الأحد"، الذي تأسس عام 2010 ليصبح قلب جباليا وبيت لاهيا، قبل أن ينتقل الحراك إلى "سوق الإثنين" الموزع بين بني سهيلا والنصيرات، مشكلًا جسرًا اقتصاديًا مهمًا للسكان، وأمّا "سوق الثلاثاء" فهو حصّة دير البلح حيث كانت تباع فيه الخضار والملابس والأجهزة الكهربائية.

وفي "أربعاء خانيونس"، كان التجّار يتوافدون من كل حدبٍ وصوب إلى ساحة مدرسة الشهيد أحمد عبد العزيز، حيث يُباع كل شيء "من الإبرة حتى الأثاث". وصولًا إلى سوق الجمعة في الشجاعية الذي يشتهر بأنه "تاج الأسواق"؛ وفيه كان ممدوح زين الدين يقضي عقوده بين روائح الزعتر والبهارات، وسط آلاف المتسوقين الذين يجدون في الزحام ملاذًا اجتماعيًا قبل أن يكون اقتصاديًا.

"سوق الجمعة" كان يمتد من شارع المنطار وشارع الخليل في وسط الشجاعية، كان الناس يعرضون بضائعهم على الأرض أو على بسطات تقام خصيصًا، تباع فيه العديد من الأشياء منها الملابس الجاهزة، والخضروات والفواكه، والأواني المنزلية، والطيور، والأحذية، والفرش، ويأتي إلى هذا السوق التجار الذين يبيعون بالجملة، والتجار الذين يأتون بالبضائع من مصر والدول المجاورة لتسويق بضاعتهم، ليعد سوق الجمعة من الأسواق الشعبية التي تتميز بانخفاض الأسعار.

الأسواق الجوالة هذه، مثلت على مدار عقود "عبقرية التكيف" لدى الغزيين؛ حيث يتنقل البائع بفقره وبضاعته لكسر قيود الحصار وتنشيط منطقة السوق، إلا أن هذا النموذج، القائم على التكافل المباشر، استهدفه الاحتلال بشكل مباشر خلال فترة الحرب.

سوق الجمعة" كان يمتد من شارع المنطار وشارع الخليل في وسط الشجاعية، كان الناس يعرضون بضائعهم على الأرض أو على بسطات تقام خصيصًا.

قصفت الطائرات الإسرائيلية الساحات، فيما تحولت مراكز "الأربعاء" و"الإثنين" في بني سهيلا إلى مقابر جماعية وركام، وتلاشى "سبت" رفح تحت جنازير الدبابات التي انتزع جنودها مدينة رفح انتزاعًا كاملًا من سكانها بعد إجبارهم على النزوح تحت وطأة القتل والتدمير، كذلك سوق الجمعة الذي اختفت ملامحه مع ملامح حي الشجاعية، ليصبح ضمن "الخط الأصفر" الذي يمنع على الفلسطينيين الاقتراب منه وإلا سيقتلون! ومع ذلك فإن القتل قائم بكل الأحوال.

تتحدث صبحية حبيب (58 عامًا)، وهي نازحة من الشجاعية، بغصةٍ تسكن صوتها: "كانت حياتنا بسيطة وسهلة. كنت أنتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر كي أشتري كل ما أريد، كنت أحفظه بسطة بسطة ومحلًا محلًا، حتى وجوه التجار وكل الباعة".

تضيف السيدة بأنها تمشي اليوم لساعات، بحثًا عن "علبة كونسروة" واحدة، إلا أن محو هذه الأسواق لم يكن تدميرًا للمباني، بل كان ذبحًا لكرامة أبناء الحي الذين سُلبت منهم وهُجروا منه أثناء تدميره -وفق تعبيرها-.

تحولت مراكز "الأربعاء" و"الإثنين" في بني سهيلا إلى مقابر جماعية وركام، وتلاشى "سبت" رفح تحت جنازير الدبابات التي انتزع جنودها مدينة رفح انتزاعًا كاملًا من سكانها

تتابع: "كنا نشتري ما نشاء بكرامة بائع يبتسم لنا، الآن نتسول السلعة في أسواق عشوائية لا ترحم بأسعارها، ولا نعرف لها ملامح، ليست بنفس الجودة، وليست بنفس القيمة حتى".

أمين حسين، بائع آخر يلخّص مأساة الطبقة التي سُحقت قائلًا: "نزحت عشر مرات، وفي كل مرة كنت أفقد جزءًا من ذاكرتي التجارية، في سوق الجمعة، كان لي زبائن يأتون من بيت حانون ومن رفح خصيصًا لخلطات البهار التي أصنعها".

ويزيد بأنه حين يلتقي أحدهم في طابور التكية، يتبادلون المواقف المأساوية بدلًا من البضاعة، فيما شبكة التوريد التي بناها عبر سنوات انتهت، والبضائع التي كان يبيعها "برخص التراب" أصبحت اليوم حلمًا بعيد المنال، يُتمتم: "لقد قتلوا الروح التي كانت تجمعنا".

غياب الأسواق الأسبوعية بغزة -من وجهة نظر التجار- أمر ليس مرتبطًا بتوقف للنشاط التجاري فحسب، وإنما هو تفكيكٌ متعمد لبنية المجتمع، فالمكان الذي كان رمزًا للصمود، تحول بفعل آلة الحرب إلى شاهد على محاولة محو الذاكرة الجماعية وسبل العيش الكريم، حيث يمتد أثر الإبادة من تدمير الأسواق إلى تدمير الاستقرار النفسي الذي كان يربط الإنسان بالمكان وبالناس.