"حين تنبت للكلمات أظافر" كفاح الغصين تكتب" هكذا الحرب"
تاريخ النشر : 2026-05-03 12:49

في زمنٍ تُمحى فيه الحياة على مرأى العالم، لا تعود الكتابة فعلًا جماليًا خالصًا، بل تتحوّل إلى ضرورة وجودية، إلى صوتٍ أخير يسبق الصمت. هنا، عند تخوم الإبادة، تكتب كفاح الغصين لا لتروي حكاية فحسب، بل لتنتزع المعنى من قلب الفوضى، ولتُبقي على أثرٍ إنسانيٍّ في وجه المحو. نصوصها لا تنتمي إلى رفاهية السرد، بل إلى قسوته؛ إلى تلك اللحظة التي يصبح فيها الحبر شاهدًا، واللغة سلاحًا، والكلمات محاولةً مستميتةً للنجاة. في هذا الحوار تنكشف تجربة كتابةٍ وُلدت تحت القصف، حيث يختلط الأدب بالتوثيق، ويتحوّل النص إلى مساحة مقاومة.

كان الأمر خليطًا من الرغبة في التوثيق للأحداث المتسارعة، ووسيلةً لقتل الوقت الذي ينزف دمًا وغبارًا وجدت الغصين نفسها في مواجهة زمنٍ ثقيل لا يُحتمل، يتدفق فيه الموت بلا توقف، في هذا السياق، تحوّلت الكتابة إلى وسيلة لإشغال العقل العالق في "ساقية النزوح والفرار والموت"، وإلى محاولة واعية لمقاومة انتظار النهاية عبر خلق عوالم موازية داخل النص، هناك، داخل الرواية، كانت تصنع حيواتٍ بديلة، وتستدعي مشاعر الحب لتعويض "الإحساس بالجدب" الذي فرضه الواقع، حتى لا تتيبّس في داخلها تحت وطأة القحط الإنساني.

كنت أرى اللغة بوصفها كيانًا ناعمًا ومترفًا، قطعةً من القطيفة حوافها من الفراء، تنساب بين أصابعي غير أن الحرب نزعت عني هذا الغطاء الناعم، أصبحت أشعر أنها يجب أن تكون مسنّنة الحواف، نارية التشكيل لغةٌ ملتهبة لها أظافر تنهش هذا الواقع المُر".

تقول: "هذا التحوّل الوجودي انعكس مباشرةً على علاقتي باللغة، فقبل الحرب كنت أرى اللغة بوصفها كيانًا ناعمًا ومترفًا، قطعةً من القطيفة حوافها من الفراء، تنساب بين أصابعي وتمنحني شعورًا بالتمايز والخصوصية، غير أن الحرب نزعت عني هذا الغطاء الناعم، وأعادت تشكيلي من الداخل لم  أعد أتدثّر بالقطيفة، أصبحت أشعر أنها يجب أن تكون مسنّنة الحواف، نارية التشكيل لغةٌ ملتهبة لها أظافر تنهش هذا الواقع المُر".

خلال الإبادة لم تعد اللغة رفيقةً حميمة فحسب، بل تحوّلت إلى أداة قتال، إلى سلاح يجب أن يوثّق بطلقاته كل ما مرّت به وهنا تميّز بوضوح بين حالتين من التعبير: "البوح وقت الهدأة لا يشبه بأي حال الصراخ تحت نير الإبادة"؛ فلكل منهما قاموسه ونبرته وتركيبه، ولكل منهما وظيفته في الشهادة على التجربة.

وترى الغصين أن الكتابة في ظل انعدام اليقين لم تكن مشروعًا مؤجلًا، بل فعلًا عاجلًا أقرب إلى الوصية. تصف ذلك بقولها: "كمن يريد أن يقول لمن قد يمرّ فوق رفاته يومًا: هنا كان فلان، وتلك مسوداته في واقعٍ كان الجميع فيه يتوقع الموت بين الغارة والتالية، بين القذيفة والقذيفة، لم يكن التفكير بالمستقبل واردًا، ولم تكن ثمة ثقة بقدوم يوم جديد، ولذلك لم أنشغل بسؤال ما سيحدث للنص لاحقًا، بل بكيفية إنجازه الآن.

كنت أكتب وأنا  أسابق الزمن، مدفوعةً برغبة حادة في إكمال النص كما أريده، قبل أن يتولى غيري  مهمة إنهائه إن بقي ناقصًا بعد رحيلي

 

تقول لـ نوى :"  كنت أكتب وأنا  أسابق الزمن، مدفوعةً برغبة حادة في إكمال النص كما أريده، قبل أن يتولى غيري  مهمة إنهائه إن بقي ناقصًا بعد رحيلي"،  من هنا جاءت كتابتها سريعةً متدفقة، ترفض التدخل الخارجي حتى في الاحتمال: "لم أكن أريد أن يدخل حِرم أبطالي سواي، ولا أن يشكّل لغتهم سواي، ولا أن ينبش في تفاصيلهم سواي، ولذلك كتبت روايتي حصرم في ثمانية وثلاثين يومًا فقط؛ سردٌ متلاحق وتوثيقٌ متنامٍ، كي تكون شاهدةً على مروري بالحياة".

انشغلت الغصين خلال تجربة الكتابة في الإبادة بعالم أبطالها وشخصياتها التي نسجتها، "كشرنقة تحميني من الواقع" في ظل ظروف قاسية،  خيمة ونزوح وجوع. كلها ظروف كان التفكير فيها بالقارئ ضربًا من الترف البعيد المنال، تقول بمرارة: "كيف يمكن لمن كانت تستيقظ على صوت فيروز ورائحة القرنفل أن تفكر بالقارئ، وهي الآن تستيقظ على نواح المكلومين والجنازات الجماعية؟" في هذا السياق، لم يكن النص إلا محاولةً لإثبات الوجود: "ما زلت هنا، أنا وأبطالي  كإعلان للحياة في وجه الإبادة".

أردت من خلالها أن أضع عاشق الشعر في مسرح الإبادة، وأن أنقل له ما تعجز الكاميرات عن التقاطه من إحساس داخلي

عن ديوانها "هكذا الحرب" تقول :" انطلق الديوان بوعيٍ واضح بقصيدة تحمل العنوان ذاته. أردت من خلالها أن أضع عاشق الشعر في مسرح الإبادة، وأن أنقل له ما تعجز الكاميرات عن التقاطه من إحساس داخلي". تشرح:" كانت تلك القصيدة توصيفًا لتفاصيل دقيقة، و"للحظة الطويلة التي امتدّت طوال الحرب". ومن هذه البداية تبلور الديوان، حيث أضافت نصوصًا أخرى كُتبت خلال الحرب إلى جانب قصائد سابقة وجدت صداها في هذا السياق، لتشكّل معًا شهادةً شعريةً متكاملة.

في هذا الديوان لم تعد الكتابة استحضارًا متخيَّلًا للألم، بل تجربةً معاشة بكل تفاصيلها تقول: "الكتابة عن الحرب والرعب والموت والإبادة والتيه والضياع والخذلان والانتكاسات والفرار كقطة تخبّئ صغارها هنا وهناك بعيدًا عن عيون الموت، كانت قبل الحرب مجرد تصوّر لخيال شاعر أو كاتب يجنح به في محطات استحضار الألم وتهيُّئه، لكن في هذا الديوان الأمر مختلف؛ أنا أكتب وأستحضر القصيدة وأنا بين كل ما سبق، أحاول فقط أن أنجو، أو على الأقل أن أوازن بين احتمالين، إما أن أنجو أنا وعائلتي، أو نموت معًا في غارةٍ واحدة، كي لا أتجرّع حسرة أحد".

"لكننا لم ننجُ ولم نمُت مات الأحبة الذين كانوا يشكّلون بعض ضلوعنا، كان آخرهم شقيقي الأصغر الذي كان يُدندن دائمًا بصوته الجميل عشقه للحياة، أخذت روحه قذيفة دبابة

 

وتضيف: "لكننا لم ننجُ ولم نمُت مات الأحبة الذين كانوا يشكّلون بعض ضلوعنا، كان آخرهم شقيقي الأصغر الذي كان يُدندن دائمًا بصوته الجميل عشقه للحياة، أخذت روحه قذيفة دبابة وهو يجمع الحطب لزوجته التي تنتظره بعجينها المخلوط من الذرة والعدس لتصنع منه بعض الأرغفة في المجاعة الكبرى، ولمّا اختمر العجين وتفسّخ سطحه، جاؤوا لها بجامع الحطب مُفتَّتًا، غارقًا في دمه صبيحة يوم الجمعة، ليشهق العدس وتنتحب الذرة، وتولد أرملةٌ جديدة وأيتامٌ جدد".

تتحدث الغصين عن روايتها "حصرم" التي لم تصدر بعد، وترى أنها وُلدت كضرورة داخلية ووسيلة للبقاء في وجه الانهيار تقول: "كنت أبحث عن مُساندٍ لي في معركة البقاء نصٌّ يبتلع الوقت الذي يحصد الأرواح".

 في ظروف النزوح، وعلى أرضية خيمة باردة، وسط طعام فاسد وقهوة مغشوشة، تشكّل هذا العالم الروائي مساحةً موازية مترعةً بالحب رغم الموت، بالأمل رغم اليأس "خلال ثمانية وثلاثين يومًا، كنت في مساحات الحب بين الأبطال أستعيد لحظاتي الحلوة، وفي مساحات الوجع أوثّق الألم وأكدسه بين جدران الرواية

وتصف الغصين لغة هذه التجربة بأنها لم تكن ثابتة، بل جاءت "جارفةً كالسيل العرم، متلاحقة كأنفاس لصٍّ هارب، تركض بسرعة لتواكب تدفق الأحداث، لكنها في الوقت ذاته بقيت مختزلة مكثّفة لتُدهش، هذا التوتر بين الاندفاع والاقتصاد منح النص قوةً خاصة، إذ لا مجال للترهّل، ولكل كلمة وظيفتها في حمل المعنى".

يقف النص المكتوب تحت الإبادة في منطقة حساسة بين الأدب والتوثيق،هل يجنح للتوثيق أم يوثّق بنصه أدبًا كامل الدسم هنا، برأيها، تظهر الفروق الحقيقية بين الكتاب.

 

يقف النص المكتوب تحت الإبادة في منطقة حساسة بين الأدب والتوثيق، وترى الغصين أن موقعه يتحدد وفق قدرة الكاتب، هل يجنح للتوثيق أم يوثّق بنصه أدبًا كامل الدسم هنا، برأيها، تظهر الفروق الحقيقية بين الكتاب.

واجهت الغصين في محطات النزوح ظروفًا إنسانية قاسية. تقول: "كنت أهرب إلى الكتابة لأغتال الوقت الذي لا يمر، الوقت الذي يحمل أطنان الموت ويُلقيها هنا وهناك دون اكتراث، كنت كلما استطعت أن أنفرد بنفسي كتبت، فأشعر أنني اكتسبت بعض القوة، ثم أنخرط مع الجماعة نحتسي مرارة الحسرة على ما يموت من الناس والأماكن، ثم أنزوي لأسترد بعض ما تناثر مني هنا وهناك.

لم تكن الغصين تكتب خلال الإبادة بهدف النشر بل باعتبار الكتابة وسيلة للهروب من الوقت القاتل، وأن تقول ما تريده قبل فوات الأوان، غير أن فقدان البيت والمكتبة والمخطوطات الكثيرة التي ذابت تحت الركام غيّر هذه النظرة جذريًا، حين أدركت أن ما لا يُنشر قد يضيع إلى الأبد. وهكذا تحوّلت الكتابة من فعل شخصي مؤجّل إلى ضرورة وجودية؛ لحفظ الذاكرة من التلاشي، وصون ما تبقّى من أثرٍ في عالم مهدَّد بالمحو.