ميرا وعاهد.. صوتٌ يشدو "خبزٍ للروح "بين الخيام
تاريخ النشر : 2026-04-30 10:12

أمام خيمتها في دير البلح، افترشت الصغيرة ميرا، ذات الأربع سنوات، قطعةً رقيقةً من القماش، وهي تراقب خيطَ البخار الصاعد من إبريق الشاي في يد والدها، بينما انهمكت في توزيع أوراق النعناع الطازج، الذي غرسَتْه بيديها، على ثلاث كؤوسٍ لامعة، يغمرها الطرب رفقةَ شقيقها الأكبر عاهد، ذي السبع سنوات، في وصلة غناء عفوية لأهزوجتهم المفضلة: "الشاي الشاي الشاي.. أوصفلك يا حبيبي الشاي، شاي بالنعنع والسكر يا حبيبي!"

طقسٌ اعتاد عليه الطفلان رفقةَ والدهما عبد الكريم العطار، كمحاولةٍ لاستراق لحظاتٍ من الفرح وسط مآسي الحرب والنزوح، تختبئ فيها مشاعر الخوف والحزن على ترك منزلهم المدمر في منطقة العطاطرة بمدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، خلف أهازيج من أغاني الطرب والتراث، في فسحةٍ ضيقةٍ من الوقت، يتخللها الكثير من الضحك والمزاح.

يقول العطار لشبكة نوى: "أحاول أن أصنع لأطفالي مساحةً للترويح عن النفس، وأعوّضهم عن حرمانهم من ألعابهم ومدارسهم التي دمّرتها الحرب، فأطفالي يستحقون أن يعيشوا حياةً أفضل مما نعيشه في هذه الظروف، وأنا أبذل ما بوسعي لأجلهم".

شحيحةٌ هي الفرص التي تُتاح أمام طفلٍ يقطن في خيام البؤس كي يحظى باللعب؛ فلا دُمى ولا حدائق يلاحق فيها الفراشات بين الورود. ولا يكفي وعاء الغسيل لتركض فيه ميرا، لكنه، وبصورة عجيبة، أضحى على صِغَره قطعةً من بحيرة طبريا في عيني طفلةٍ تحب مداعبة الماء كفِراخِ البط، فتنافس بصوتها النديّ عذوبةَ مائه.

"هيلا يا رمانة.. هيلا يا رمانة، الحلوة زعلانة.. الحلوة زعلانة" بهذه الكلمات، أطلقت ابنة الأربع سنوات العنانَ لأول مرة لاكتشاف موهبتها في الغناء، حين كانت تحاول مساعدة والدتها المنهمكة في غسل الملابس يدوياً في وعاءٍ بلاستيكي، فيما لم يُفوّت والدها الفرصةَ لتوثيق لحظةٍ نادرة من السعادة تجلّت وسط ظلمة النزوح وقسوة العيش البدائي.

وعن تلك اللحظة يروي العطار: "كانت ميرا تحاول مساعدة والدتها في غسل بعض الملابس، كعادتها حين تودّ اللعب بمياه الغسيل، فوجدتها تبدأ بغناء أغنية هيلا يا رمانة التي تحب سماعها على يوتيوب. ولأنها كانت لحظةً غمرتنا بالسعادة والضحك، قمت بتصويرها على هاتفي للذكرى".

لم يكن دخول "عائلة ميرا وعاهد" عالمَ اليوتيوب ونشرَ اليوميات على منصات التواصل الاجتماعي وليدَ صدفة بحتة، بل جاء استجابةً من عبد الكريم لنصيحة شقيقه صاحب قناة على يوتيوب، بعد أن شاهد مقاطع ميرا وعاهد العفوية وهما يشاركان والدهما الغناء صحبةَ "كأس شاي".

يقول العطار: "شجّعني شقيقي على نشر مقاطع ميرا وعاهد على الإنترنت، مؤكداً أنها ستحظى بمشاهدات عالية وردود فعل إيجابية من المعجبين بعفويتهما ورسالتهما في إذاعة الفرح، والتغلب على أحزان النزوح بضحكة من القلب تمتزج بأغنية من تراثنا الذي نحب".

ويردف: "في البداية نشرت مقطع ميرا وهي تغني هيلا يا رمانة بينما تساعد والدتها في الغسيل، وسرعان ما انتشر الفيديو بشكل واسع وأصبح ضمن المقاطع الأعلى مشاهدة؛ إذ بلغ عدد المشاهدات على هذا المقطع وحده نحو خمسة ملايين مشاهدة، مما شجّعني على اتخاذ خطوة مختلفة".

بدأ العطار رحلته في صناعة المحتوى لطفليه على منصات التواصل الاجتماعي بتأسيس قناة  على يوتيوب، ينشر عليها مقاطع يومية عفوية، متغلّباً على عقبة ضعف الإنترنت التي تضطره إلى السير نحو نصف ساعة للوصول إلى نقطة اتصال جيدة.

خسرت عائلة عبد الكريم العطار، كسائر عائلات قطاع غزة، مصادرَ رزقها خلال الحرب، واستنزفت جميع مدخراتها في نفقات التنقل إبان موجات النزوح، لتكون قناة شقيقه على يوتيوب ملجأَ العائلة الأخير للإنفاق على معيشتها، حيث كانت أرباح المشاهدات مصدرَهم المالي الوحيد.

وأمام انسداد السبل أمامه، قرر عبد الكريم هو الآخر الاستثمار في نشر محتوى يوميات طفليه وأقرانهم في المخيم، على أمل أن تحقق قناتهم عائداً مجزياً من أرباح المشاهدات يُعينه على الإنفاق على متطلبات أسرته.

وعن ذلك يحكي: "كانت قناة اليوتيوب الباب الوحيد الذي انفتح أمامي لأكسب عيش عائلتي بطريقة كريمة عبر أرباح المشاهدات، بنشر محتوى يُجسّد حبنا للحياة وتمسّكنا بأصغر فرصة لإسعاد بعضنا والآخرين، دون إساءة لأحد أو استجداء المساعدة".

أما عن ردود الفعل على محتواهم، فيحكي الطفل عاهد: "يقرأ لنا والدي تعليقات المتابعين على مقاطعنا، ويخبرنا أنهم سعيدون برؤيتنا سعداء، ومعجبون بغنائنا أنا وميرا، وهذا ما يجعلنا بدورنا أكثر سعادةً بمحبتهم لنا".

ويختم عاهد بصوته الطفولي: "رسالتنا للعالم أننا كأطفال في غزة نحب أن نلعب ونضحك، نغني ونرقص ونستمتع بالحياة. لقد تعبنا من الحرب ومن رؤية الموت والدمار في كل مكان، ورغم كل الأحزان التي عشناها، لا نزال نرغب في الفرح، ونحاول أن نهزم الخوف من أصوات القصف بالغناء للحياة".