قطاع غزة:
بقامته المنحنية فوق بقايا شتلات ذابلة، يقف المزارع سمير حجي وسط أرضه التي كانت يومًا بساطًا أخضرًا يسر الناظرين، يغرس يده في التراب فلا يخرج منها إلا حفنة من الرماد الممزوج بشظايا معدنية باردة؛ "الأرض لم تعد هي الأرض"، يقول.
يروي المزارع بمرارة كيف أن القذائف ومخلفات حرب الإبادة الإسرائيلية لم تكتفِ بجعل مساحات واسعة من أراضي قطاع غزة غير مناسبة للزراعة، بل إن الإنتاج انخفض بشكل حاد مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
يواجه المزارعون اليوم مشقة مزدوجة؛ فمن جهة يصارعون تلوثًا خفيًا، ومن جهة أخرى يواجهون خطر القذائف غير المنفجرة وارتفاعًا "جنونيًا" في تكاليف الاستصلاح والوقود، مما جعل فلاحة الأرض معركة يومية للبقاء على قيد الحياة في ظل واقع بيئي مهشم.
كشفت التقارير الأممية أن نحو 87% من الأراضي الزراعية في القطاع تعرضت لأضرار بالغة بحلول أكتوبر/تشرين الأول لعام 2025.
ويضيف حجي: "كل قذيفة سقطت هنا لم تقتل الشجر فقط، بل تركت في جوف التربة سمًا لا نراه، لكننا نشعر به في ذبول المحصول وفي جفاف الحياة من حولنا".
في سياق الموضوع، كشفت التقارير الأممية أن نحو 87% من الأراضي الزراعية في القطاع تعرضت لأضرار بالغة بحلول أكتوبر/تشرين الأول لعام 2025.
وأظهر تحليل مشترك بين منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (يونوسات) دمارًا واسعًا طال الدفيئات الزراعية وآبار الري والبنية التحتية للإنتاج الغذائي، مما يعكس انهيارًا شبه كامل في القاعدة الزراعية التي تعتمد عليها آلاف الأسر.
وبينما ارتفعت نسبة الأضرار في آبار الري من 83% في أبريل إلى 87% في أواخر سبتمبر/أيلول، مما زاد من صعوبة استدامة الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية في القطاع؛ يشير التحليل إلى أن نحو 37% فقط من هذه الأراضي المتضررة لا تزال قابلة لإعادة التأهيل والزراعة في حال توفرت الظروف الملائمة لوقف إطلاق النار، بما في ذلك نحو 600 هكتار بقيت سليمة نسبيًا.
تغوص الباحثة البيئية د. زهرة خدرج في عمق هذه الأزمة، موضحة أن القصف المكثف لم يترك مجرد حفر، بل خلّف مزيجًا معقدًا من الملوثات السامة التي انتشرت في التربة، ومصدرها لا يقتصر على القذائف فحسب، بل يشمل غبار الأبنية المدمرة وما تحتويه من مواد كيميائية خطرة.
وتؤكد خدرج أن أخطر هذه الملوثات هي المعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والزرنيخ، إضافة إلى اليورانيوم المنضب، وهي مواد "عنيدة" لا تتحلل بسهولة وتبقى في التربة لعقود، مما يؤدي إلى تراكمها الحيوي داخل النباتات وانتقالها لاحقاً إلى السلسلة الغذائية.
وتلفت إلى أن هذه المخلفات لا تكتفي بتسميم النبات، بل تُحدث خللًا بنيويًا في كيمياء التربة وتغير من درجة حموضتها، مما يدمر الكائنات الدقيقة الحيوية التي تمنح الأرض خصوبتها، ويشل قدرة الجذور على امتصاص المغذيات الأساسية لسنوات طويلة.
ارتفعت نسبة الأضرار في آبار الري من 83% في أبريل إلى 87% في أواخر سبتمبر/أيلول، مما زاد من صعوبة استدامة الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية.
من جانبه، يشرح الخبير الزراعي نزار عبد العزيز الوحيدي أن التربة في غزة شهدت تغيرات عميقة نتيجة تراكم بقايا الصواريخ والرماد المتطاير وتسرب الوقود والزيوت، حيث تتفاعل هذه المواد مع المكونات الطبيعية للتربة لتزيد من سميتها وتغير خصائصها الفيزيائية، مما يرفع نسب الملوحة ويخفض النشاط الحيوي للأرض.
ويحذر الوحيدي من أن خطر هذا التلوث يتجاوز السطح ليطال المياه الجوفية، خاصة في ظل الطبيعة الرملية لتربة غزة التي تعمل كممر سهل لنفاد الملوثات الذائبة إلى الخزان الجوفي، وهو المصدر الرئيسي لمياه الشرب.
وبحسب الخبير، ينعكس هذا التدهور بوضوح في الحقول من خلال ضعف الإنبات، واصفرار الأوراق، وتقزم المحاصيل، بل وتشوه الثمار وموت النباتات المفاجئ، معتبرًا أن الخضروات الورقية والجذرية هي الأكثر تأثرًا وامتصاصًا لهذه السموم، مما يجعلها خطرًا محتملًا على مائدة المستهلك.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود الحقل، بل تمتد لتضرب صحة الإنسان في مقتل، حيث يوضح المختص الصحي عبد الله أبو سليمان أن التعرض المزمن لتربة مشبعة بمخلفات الحرب يرتبط بشكل وثيق بحالات التسمم بالمعادن الثقيلة، وما يرافقها من اضطرابات في الجهاز العصبي، وأمراض تنفسية، ومشاكل جلدية مزمنة، وصولاً إلى تلف الكبد والكلى وزيادة مخاطر السرطان.
التعرض المزمن لتربة مشبعة بمخلفات الحرب يرتبط بشكل وثيق بحالات التسمم بالمعادن الثقيلة، وما يرافقها من اضطرابات في الجهاز العصبي.
ويبيّن أبو سليمان أن انتقال هذه السموم يحدث عبر مسارات متعددة؛ من تناول الغذاء الملوث، إلى شرب المياه الجوفية، أو حتى استنشاق الغبار الملوث والتلامس المباشر، مشدداً على أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة لهذه الأخطار بسبب طبيعة نشاطهم ومراحل نموهم الحساسة.
ومع ذلك، تبقى هناك بارقة أمل تطرحها د. خدرج من خلال الاستفادة من تجارب دولية كالعراق وفيتنام، عبر استخدام تقنيات المعالجة البكتيرية والحرارية وغسل التربة.
كذلك ما يطرحه الوحيدي من حلول كإضافة "الكمبوست" لتثبيت المعادن والزراعة في أحواض مرتفعة، لكن يظل تطبيق هذه الحلول في غزة مرهونًا بوقت طويل وتخطيط دقيق ودعم دولي واسع، لضمان ألا تظل الحرب مستعرة في باطن الأرض حتى بعد صمت المدافع.
