انفجارٌ واحد شقّ النهار إلى نصفين، تحوّل العرس إلى مأتم، ويحيى الصغير الذي تجهّز وارتدى أحلى ملابسه، صار غائبًا عن الحياة إلى الأبد، هكذا حين قرر الاحتلال شنّ غارة على مركبة للشرطة وسط مدينة غزة، في الـ15 من أبريل/ نيسان 2026.
سقط كل شيء دفعة واحدة، لحظة قصيرة لم تتّسع حتى لنداء، ولا لالتفاتة أخيرة، ولا لطفلٍ يفهم ما الذي يحدث، وبين ومضة الصوت وثقله، كان يحيى الملاحي هناك.. ثم قضى شهيدًا.
يقول أبيه إن الصغير ولد في زمن الحرب، وكبر داخلها، حتى صار عمره يشبهها، ثلاث سنوات لا يتذكر بدايةً لها ولا يتخيّل نهاية، لم يعرف الهدوء كحالة مستقرة، بل كفاصل قصير بين غارتين، ولم يتعلّم أن ينام دون أن يكون في جسده توتر خفيف، كأن شيئًا ما قد يحدث في أي لحظة.
في ذلك اليوم، لم يكن هناك ما يميّزه عن غيره، نهار آخر من نهارات غزة الثقيلة، حيث الوقت يمرّ ببطء، والوجوه تحمل تعبًا متراكمًا، والأطفال يخرجون رغم كل شيء، كأن اللعب شكل من أشكال المقاومة الصغيرة.
خرج يحيى مع أبيه، ليس كما يخرج كل مرة، كان واضحًا عليه استعداده لحضور مراسم عرس أقربائه، هل كان سيرقص مع الأطفال؟ هل سيطلب الحلوى؟ هل سيعرف معنى العرس الحقيقي بصالة أفراح وليس خيمة؟ تساءل أبيه الذي بدا متحمسًا قبل انطلاقهم.

جاءت الغارة فجأة، كما تأتي دائمًا بلا تمهيد وبصوت هائل سبق الفهم، جعل الأرض ترتجّ تحت الأقدام فيما امتلأ الهواء بالغبار والصراخ المتداخل.
ركض الناس نحو المكان، يبحثون عن ناجين وعمّن كان هناك قبل ثوان، وهنا، عند هذه اللحظة يصبح الزمن مشوشًا والدقائق تمتد كأنها ساعات، وأما الوجوه فتختفي ثم تظهر مغطاة بالرماد.
كان البحث عن طفل بين الركام مهمة تتجاوز القدرة، كيف لقلب رجل أن يحتمل أسى فقدان ابنه الوحيد وعريسه الصغير هكذا؟ حُمل يحيى من بين النار بجسده الرقيق كما كان دائمًا، لكن ثقله هذه المرة مختلف كأن الغارة تركت فيه ما لا يُحمل.
في المستشفى، لم يكن هناك وقت كافٍ للحزن الكامل، فالصدمة تضرب ملامح أبيه الذي حاول استيعاب المجزرة وسط زحمة الممرات المكتظة بالجرحى، فيما عرف هو نصيب حبيبه يحيى، شهيدًا.
يقول إنهم كانوا قبل دقائق فقط هناك، في البيت، يتحرك الطفل ويسأل ويطلب! تتوقف الجملة عند هذا الحد، لا لأنه لا يعرف كيف يُكملها، بل لأن الجميع يعرف النهاية.
يستعيد تفاصيل صارت ذكرى خلال دقائق، كيف كان الطفل يركض بين الغرف، كيف كان يؤجل النوم، كيف كان يطلب طعامًا لا يتوفر دائمًا! موضحًا: "ما شبع، ما شبع من الحياة، ولا من المأكل والمشرب، هذا ابن الحرب الذي لم يعرف شيئًا من الحياة، قتلوه!".
تحت حرب الإبادة الإسرائيلية، لم يعرف يحيى معنى الشبع يومًا، لم يجلس إلى مائدة مكتملة دون حساب، ولم يتعامل مع الطعام كحق ثابت، بل كاحتمال قد يتحقق أو لا، كما لم يعرف الأمان؛ لم يختبر أن ينام طفل دون أن يضع في داخله احتمال الاستيقاظ على صوت انفجار، أو أن يعيش يومًا كاملًا دون أن ينظر إلى السماء بحذر.
في غزة، يكبر الأطفال بسرعة لا تشبه أعمارهم، يتعلمون الخوف قبل أن يتقنوا الكلمات، ويعرفون أسماء الأشياء التي تهددهم أكثر مما يعرفون أسماء ألعابهم، ويحيى كان واحدًا من هؤلاء، طفلًا تشكّلت طفولته داخل الخطر، لا على هامشه.
"استشهد".. كلمة تُقال سريعًا في غرف الطوارئ، لكنها تفتح في قلب الأب فراغًا لا يُردم، في لحظة انقطاع حاد، خرج فيها طفل من الحياة قبل أن يعرفها أصلًا، قبل أن يختبر كيف يمكن أن تكون خارج الحرب.
يحيى و22 ألف طفل فلسطيني من قطاع غزة منذ بدء الإبادة، قتلهم الاحتلال وما زال يحصد أرواح غيرهم، يحيى الملاحي و22 ألف طفل غيره، لم يُمنحوا فرصة لاختبار أبسط ما يُفترض أن يكون بديهيًا: أن يشبعوا، أن يعيش، أن يتعلموا وأن يناموا بهدوء.
