ريتاج ريحان.. دفترٌ ينزف وفستانٌ خانته رصاصة!
تاريخ النشر : 2026-04-14 12:36

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

شمالي قطاع غزة، يتسرّب اليأس داخل خيمة نزوحٍ إلى التفاصيل الصغيرة. تقف أمّ ريتاج أمام فستانٍ معلّق على وتدٍ مائل، تمرّر كفّها عليه ببطء، كأنها تحاول إعادة ترتيب فرحٍ لم يُكتب له أن يكتمل.

يبدو القماش نظيفًا على نحوٍ يثير الدهشة، كأنه نجا وحده من قسوة المكان، أو كأن الأم تحرسه كل يوم من أثر هذه الحياة، تُنقّيه كما لو أنه آخر ما تبقّى من زمنٍ عادي ولحظاتٍ عادية.

لم يكن الفستان تفصيلًا عابرًا في حياة طفلةٍ في التاسعة من عمرها، بل كان وعدًا مؤجّلًا بليلةٍ مختلفة، بعرس خالها الذي كانت تنتظره بعد أسبوع، وتحلم أن تكون فيه الأجمل.

كانت تُخرجه كل مساء، وتضعه أمامها. تدور به داخل الخيمة الضيقة، وتسأل أمها إن كان يليق بها.

تقول الأم: "كنت أقول لها: وكأنه فُصّل من أجلك"، ثم تصمت، كأنها تدرك الآن ثقل تلك الكلمات، بعدما فقدت معناها.

طفولة "ريتاج" لم تُمنح الوقت الكافي، انتهت برصاصةٍ واحدة يُطلق عليها هنا لقب "طائشة"، لكنها تُصيب بدقةٍ أجساد الصغار.

"سنتناول الطعام معًا"، لم يكن في الجملة ما يدعو للتوقف، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى آخر ما تبقّى من صوتها.

في صباح التاسع من نيسان/أبريل 2026م، استيقظت ريتاج مبكرًا، رتّبت شعرها بعناية، وارتدت زيّها المدرسي، حملت حقيبتها، وقبل أن تغادر التفتت إلى أمها قائلة: حين أعود سنتناول الطعام معًا.

لم يكن في الجملة ما يدعو للتوقف، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى آخر ما تبقّى من صوتها، خرجت من الخيمة، ومضت نحو مدرستها، تمشي بخفّةٍ لا تعرف ما ينتظرها.

جلست في صفها، فتحت دفترها، وانحنت فوقه تحاول تصويب سطرٍ كتَبَته، قبل أن تقطع الرصاصات اللحظة.. ثلاث طلقات اخترقت جسدها الصغير داخل الفصل، وأسقطتها في مكانها أمام أعين زميلاتها.

 انتهت الحكاية، وبقي الدفتر مفتوحًا على جملةٍ لم تكتمل، كأنها شهادة أخيرة على حياةٍ توقفت في منتصفها.

انقطع صوتها، وبقي الدفتر مفتوحًا على جملةٍ لم تكتمل، كأنها شهادة أخيرة على حياةٍ توقفت في منتصفها، وعلى موتٍ دخل الصفوف دون استئذان.

بعد نحو ساعة، وصل الخبر إلى الخيمة، تخبرنا الأم أن أحدهم أخبرها، لكنها لم تستوعب في البداية، شعرت كأن شيئًا اقتُلع منها دفعة واحدة. كيف يمكن تفسير غيابٍ بهذا الحجم؟ كيف تختفي طفلة خرجت للتو من الباب؟

في لحظةٍ واحدة، تبدّل كل شيء، الفستان الذي كان ينتظر عرسًا، فقد معناه، والحديث عن الأيام القادمة سقط من الحساب، لم ترتده ريتاج كما حلمت، بل لُفّت بالكفن، وغادرت.

في المدرسة، بقي مقعدها فارغًا، ودفترها شاهدًا على لحظةٍ لم تكتمل، وفي الخيمة، صار الوقت أثقل، تُقاس دقائقه بغيابها.

تقول الأم: "أفتقدها في كل دقيقة، بينما تمر صديقاتها إلى الخيمة، يقفن بصمتٍ مرتبك، لا يجدن ما يُقال، ولا أجد أنا ما أخفف به هذا الغياب".

العالم، كما تراه الآن، صار فارغًا على نحوٍ لا يُحتمل، كأن الطفلة التي خرجت صباحًا بحقيبتها، أخذت معها كل ما كان يمنح هذا المكان معنى، لتبقى كلماتها الأخيرة معلّقة في الهواء، كأنها لم تغادر: "حين أعود سنتناول الطعام معًا".. لكنها لم تعد.