في سباق "البقاء" تُهزم قيمة "الشهادة" بغزة!
تاريخ النشر : 2026-04-13 11:23
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في صباحٍ بلا ملامح ثابتة، يخرج الغزيون إلى الشوارع وهم يخلعون عنهم ما تبقى من صورهم القديمة، موظفون، ومعلمون، وخريجون، وأصحاب مهن، جميعهم يتساوون عند أول بسطة تُفرش على الرصيف، أو أول عملٍ يومي يُؤمّن ما يكفي من طعام عائلاتهم ولو ليومٍ واحد فقط.

لم تعد الحرب مجرد حدثٍ عابر، بل قوة جارفة أعادت تشكيل ملامح الحياة الاقتصادية بالكامل، ودَفعت آلاف الفلسطينيين إلى مغادرة تخصصاتهم، والبحث عن أي عملٍ يُبقيهم على قيد الحياة.

هذا التحول لم يكن خيارًا، بل سقوطًا مفاجئًا في فراغٍ بلا بدائل في ظل توقف المؤسسات وتدمير البنية الاقتصادية، وانقطاع مصادر الدخل.

هذا التحول لم يكن خيارًا، بل سقوطًا مفاجئًا في فراغٍ بلا بدائل في ظل توقف المؤسسات، وتدمير البنية الاقتصادية، وانقطاع مصادر الدخل، حيث وجد آلاف العمال والموظفين أنفسهم خارج وظائفهم بين ليلة وضحاها، يبدؤون رحلة قاسية نحو أعمال لا تشبههم، لكنها تمنحهم حق الاستمرار ليومٍ آخر.

في شوارع غزة، لم يعد المشهد صادمًا.. شهاداتٌ جامعية تُعلّق في البيوت، وأصحابها يقفون خلف بسطات صغيرة، أو يعملون في مهن لا تمت بصلة إلى خبراتهم.

هكذا، تحوّل الاقتصاد تدريجيًا من الإنتاج إلى ما يمكن تسميته باقتصاد البقاء، حيث تُقاس القيمة بما يُؤمّن الطعام، لا بما يعكس الكفاءة.

شادي عطا، البالغ من العمر (43 عامًا)، يحمل درجة الماجستير في الإدارة والاقتصاد، وكان يعمل مدرسًا في إحدى جامعات قطاع غزة.

لم يكن يتخيّل أن تنتهي رحلته الأكاديمية إلى بسطة صغيرة في الشارع، لكن الحرب لم تترك له مساحة للاختيار بعد قصف الجامعات وتوقف العملية التعليمية. فجأةً وجد نفسه بلا مصدر دخل، ومسؤولًا عن إعالة أسرة مكونة من ستة أفراد.

يقول في حديثه لـ "نوى": "لم أتخيل يومًا أن أترك التدريس وأقف في الشارع لأبيع بعض السلع، لكن الظروف دفعتني إلى ذلك (..) أبيع الحاجيات والشوكولاته فقط لأتمكن من توفير الطعام لعائلتي".

ولا تختلف حكاية أحمد مطر (30 عامًا) كثيرًا عن شادي، إذ كان يعمل في إحدى المحاكم الشرعية بنظام العقد السنوي، قبل أن تتوقف المحاكم عن العمل بالكامل.

فجأة، وجد نفسه خارج منظومة العمل، في مواجهة مباشرة مع أعباء الحياة، دون أي شبكة أمان، يخبرنا: "العمل اليومي مرهق وغير مستقر، لكنه الخيار الوحيد، والأهم أن أستطيع توفير الحد الأدنى من احتياجات عائلتي دون أن أضطر لطلب المساعدة من أحد".

بهذه البساطة، يُعاد تعريف الكرامة؛ ليس في طبيعة العمل، بل في القدرة على الاستمرار دون انكسار ظاهر.

هذه النماذج ليست استثناءات، بل صورة مكثفة لواقعٍ واسع، حيث تلاشت الحدود بين المهن، وفقدت الشهادات وزنها أمام الحاجة.

وفي هذا السياق، يوضح الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يشهده قطاع غزة يتجاوز كونه أزمة بطالة عابرة، ليصل إلى مستوى الانهيار الهيكلي في سوق العمل.

ويقول: "قفزت معدلات البطالة إلى أكثر من 80%، بعد أن كانت تقارب 45% قبل الحرب، في مؤشر واضح على فقدان السوق لقدرته على إنتاج الوظائف والدخل خلال فترة قصيرة".

ويشير إلى أن الأزمة لم تعد مجرد تعطل مؤقت، بل تحوّلت إلى واقع اقتصادي عميق دفع آلاف العاملين إلى مغادرة مهنهم الأصلية نحو أعمال هشة ومؤقتة، مثل العمل على البسطات أو في مجالات الإغاثة، في وقت اندثرت فيه قطاعات كاملة كالبناء والنجارة والصناعات الصغيرة، نتيجة التدمير ومنع إدخال المواد الخام.

"أخطر ما في المشهد لا يكمن فقط في ارتفاع معدلات البطالة، بل في تفكك البنية الإنتاجية، وتحول النشاط الاقتصادي من الإنتاج إلى البقاء".

ويضيف: "أخطر ما في المشهد لا يكمن فقط في ارتفاع معدلات البطالة، بل في تفكك البنية الإنتاجية، وتحول النشاط الاقتصادي من الإنتاج إلى البقاء، ما يُضعف فرص التعافي، ويكرّس هشاشة اقتصادية واجتماعية ممتدة".

ومع استمرار إغلاق المعابر، ومنع إدخال مستلزمات الإعمار، تبقى عشرات المهن مجمّدة، فيما يظل أي تحسن حقيقي مرهونًا ببدء عملية إعادة إعمار فعلية تعيد تحريك عجلة الاقتصاد، وتفتح المجال أمام عودة تدريجية للحياة المهنية.

حتى ذلك الحين، يبقى سوق العمل في غزة عالقًا في منطقة رمادية، حيث لا وظائف مستقرة، ولا أفق واضح.. هناك، لا يسعى الناس إلى تحقيق طموحاتهم، بل يطاردون يومهم فقط، في محاولة دائمة لتأجيل الانهيار.