يفوق عدد المتظاهرين في مظاهرة واحدة في القاهرة أحيانا، عدد سكان قطاع غزة مجتمعين (1.7 مليون نسمة)، مع تذكّر أنّ مئات الآلاف، على الأقل، في غزة لا يؤيدون "حماس"، كما أثبت ذلك حفل انطلاقة "فتح" مطلع هذا العام. هذا يعني أنّ اتهام حركة "حماس" بلعب دور في أحداث مصر هو، بشكل أو بآخر، حديث بأنّ هذه الحركة أسطورية القوة والشعبية والتنظيم، لدرجة أن تكون رقما صعبا في معادلة دولة بحجم مصر. بكلمات أخرى، فإنّ اختلاق أو تضخيم أدوار "حماس" في مصر بدون أدلة دامغة، هو نوع من التضخيم لقوة هذه الحركة.
رغبة حركة "حماس" بانتصار الإخوان المسلمين في مصر، وهما في الأصل تنظيم واحد، ليست سراً، وهذه رغبة بدهية. وقطاعات واسعة من المصريين تريد ذلك. ولا يمكن كذلك لحماس المبالغة بأن تبني على رغبة خصومها توريطها في الشأن المصري، لتدّعي وجود نهج لإشاعة الفوضى في قطاع غزة، خصوصاً وهي تتهم قيادات محددة في حركة "فتح" تعرف أنّها يمكن أن تتعاون معها لتحقيق مصالحة.
خضعت فكرة "التنظيم الواحد" للإخوان لاختبار عسير العام الماضي.
تتسم تصريحات قيادات "حماس" في غزة حتى الآن بالحذر إزاء الشأن المصري، في دلالة على استشعار براغماتي لخطورة الانحياز السافر في الشأن المصري، بدون أن يمنع هذا بوادر تعاطف، وحتى تجنيد وسائل إعلام "حمساوية" لخدمة أنصار محمد مرسي. هذه البراغماتية في التصريحات الحمساوية في غزة تكاد تكون مرآة تعكس سلوك الإخوان المسلمين أثناء وجودهم في الحكم في مصر.
لقد تفاءل "إخوان" غزة كثيراً عقب صعود إخوان مصر للحكم، درجة نزول رئيس حكومة الحركة في القطاع إسماعيل هنية، حاملاً العلم المصري يوزع الحلوى بمناسبة فوز مرسي. ولكن فوز الإخوان كان محدود الأثر بالنسبة إلى الحصار على غزة، وبالنسبة لفلسطين عموماً. لم تتأثر علاقات إسرائيل مع مصر؛ لا مُعاهدة السلام، ولا تبادل السفراء ورسائل الود الدبلوماسي، ولم تذهب الجيوش لنصرة غزة. واستُهدفت الأنفاق مع غزة كما لم تُستهدف سابقا. ووصل الأمر أن تدير قيادات في حركة "حماس" في غزة مظاهرات واحتجاجات ضد الإجراءات المصرية. لم يُلغِ الأصل التنظيمي الواحد للرئيس في مصر والحكومة في غزة، إذن، الأولويات الداخلية والوطنية.
توانى الحكم الإخواني في مصر عن تبني سياسات ثورية جذرية فيما يتعلق بفلسطين وغزة و"حماس"، وغلّب الأولويات المحلية، والحذر في العلاقات الدولية بالابتعاد عن مواجهة الغرب وواشنطن عبر الشأن الإسرائيلي، ما مثّل مؤشرا على محدودية دور التنظيم الإسلامي الواحد العابر للدول والبلدان، المؤمن بوحدة الأمة الإسلامية، في تحديد النهج السياسي عندما يصل الإسلاميون إلى الحكم. واتضح أنّ الحسابات الوطنية، وحسابات رجل الدولة التقليدية، هي التي تطغى، حتى لو كانت المشاعر والرغبات الكامنة مختلفة قليلا. وهذا تماما ما يعبر عنه حذر "حماس" الحالي سياسيا؛ قوة الاعتبارات المحلية (الوطنية) على حساب اعتبارات التنظيم الواحد العابر للحدود.
جزء كبير مما يحدث هو في مجال الإعلام، والجميع خاسر أو مغامر في نهجه الإعلامي. فمن يقوم بالربط بين الفلسطينيين والاحتجاجات المؤيدة لرئاسة محمد مرسي في مصر، هو "إعلام الفلول"، وهم حتى إن تمكنوا من إقناع شرائح من المصريين والتأثير فيهم، وحتى إن نجحوا (للأسف) في إشاعة الكراهية للفلسطينيين، فإنّ "الفلول" يكونون كمن يطلقون النار على أقدامهم؛ فالتيار القومي واليساري والديمقراطي المعارض للإخوان لن ينساق لمهاجمة الفلسطينيين، وستكون ورقة التأليب ضد الفلسطينيين من عوامل إعادة الاصطفاف، ورفض هذا التيار لسياسات كثيرة يتبناها "فلول" وقيادات عسكرية وأمنية. كما تغامر "حماس" بالمناصرة الإعلامية السافرة لمرسي في بعض وسائل إعلامها، وتعطي لخصومها ورقة للاستشهاد بها. وتخطئ "حماس" وهي لا تأخذ العبر الكافية من فترة الحكم الإخواني، ولا تدرك أنّ العودة لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني هي الأصل والأهم. وتخطئ "فتح" وهي تضخم دور "حماس" في مصر، لأنّها تضخم صورة "حماس" وتظهر هي في موقف الضعيف، غير القادر على ضبط إيقاع العمل والبيت الفلسطينيين. وسيكون الفلسطينيون هم الخاسر الأكبر في كل الأحوال.
الرابط بين "حماس" وأحداث مصر
تاريخ النشر : 2013-07-25 13:33
