غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
مع كل منخفضٍ جوي يمرّ على قطاع غزة، عابرًا أحيانًا أو مثقلًا بما يعيد فتح الجراح، تتحول حياة النازحين إلى بؤسٍ ومرارة، تدفع بهم إلى مزيدٍ من المعاناة التي لا تنتهي بانقشاع الغيوم.
فما إن تهدأ العاصفة حتى تبدأ فصول أخرى من الأزمة، إذ تتكشف هشاشة واقعٍ خدميٍّ منهار، يتسلل أثره إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول المسارات الترابية بين المخيمات المكتظة، الممتدة على طول منطقة المواصي، إلى مستنقعاتٍ من الوحل والطين، تعيق الحركة وتربك تنقل السكان، وتُضاعِف من مشقة الوصول إلى أبسط احتياجاتهم.
وأمام هذا الواقع المتدهور، برزت محاولاتٌ إسعافية محدودة لاحتواء الأزمة، حيث شرعت بلدية القرارة، شمالي مدينة خان يونس، بفرش ناتج الكسّارات من الركام فوق بعض الشوارع الترابية، في مسعىً لاستعادة الحد الأدنى من القدرة على الحركة والتنقل، ولو بشكلٍ مؤقت، في مشهدٍ يلخّص حجم التحديات التي يواجهها القطاع، حيث يصبح الركام ذاته أداةً لترميم ما تبقى من الحياة.
على مفترق أحد الطرق الترابية في المنطقة المذكورة، يقف محمد العبادلة (42 عامًا) مستذكرًا معاناته المتكررة في الوصول لخيمة نزوحه مع كل منخفض ماطر يضرب المنطقة.
يشير إلى التغيير الذي طرأ على الشارع بعد تسويته بالركام قبل أيام، ويروي لـ" نوى" كيف كان خروجه مع زوجته وأطفاله إلى شارع الرشيد الساحلي مهمةً شاقة، تتطلب حذرًا وجهدًا مضاعفًا لتفادي الانزلاق وسط الطين وبرك المياه التي تغمر الطريق.
يحمل العبادلة صندوق مساعدات حصل عليه من نقطة توزيع قريبة ويستعيد معاناته خلال المنخفضات الماضية قبل فرش الشوارع: "كنا نغوص في الوحل وأحيانًا نضطر للعودة، وكان قرار الخروج من الخيمة في أجواء الشتاء معضلة كبيرة؛ نظرًا لوعورة الطريق وصعوبة المشي فيه".
ورغم أن ما حدث من تغيير ليس سوى تسوية بسيطة للشارع بالركام، إلا أن العبادلة يرى فيه فرقًا واضحًا انعكس على تفاصيل حياة سكان المنطقة والنازحين من حوله خاصة في تنقلاتهم اليومية.
ويصف خالد أبو هداف (36 عامًا) وهو عامل على دراجة نارية "توك توك"، التغيير الذي لمسه في التنقل والوصول لمكان عمله على الطريق الرئيس، بعد أن ضاق ذرعًا من معاناته، بالقول: "في فصل الشتاء نغرق في المياه، وفي الصيف تغرز عجلات التوك توك في بحر من الرمال ولا أستطيع انتشاله بمفردي".
لا يخفي أبو هداف امتعاضه الشديد مما كان عليه حال الطريق الذي كبده خسائر في الصيانة، نتيجة كثرة الحفر والمطبات التي تنشأ بفعل السيول والأمطار بعد كل منخفض، موضحًا لـ نوى"، أن تحسن الطريق نسبيًا سيسهل عليه العمل ويوفر عليه تكاليف الصيانة الباهظة.
تعكس هذه الشهادات واقعًا مركبًا، استطاع من خلاله القائمون على المشروع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الاستفادة من ركام المنازل المدمّرة، وإعادة تدويره لتأهيل الطرق عبر تفتيته وتنعيمه، ومن ثم فرد مساحاتٍ منه في طرق ترابية بمنطقة المواصي الزراعية.
بدوره، يؤكد رئيس بلدية القرارة المهندس باسم شراب، أهمية هذا المشروع في إعادة تدوير الركام لتثبيت التربة وتدعيمها، عبر تسوية الطرق وتأهيلها بما يخفف معاناة السكان ويسهل حركتهم وتنقلهم.
ويقول شراب لـ"نوى": "هذه المعالجات جاءت استجابة طارئة للتعامل مع آثار السيول التي خلّفتها المنخفضات الجوية المتلاحقة، وحلًا اضطراريًا في ظل قلة الموارد وشح الامكانيات التي فرضتها الحرب وظروف النزوح والحصار المُطبق على قطاع غزة".
ويوضح أن اختيار الشوارع كان بناءً على حيويتها وأهميتها للسكان وتدفق حركة مرور الشاحنات والأفراد عبرها، فضلاً عن حجم المرافق الواقعة فيها؛ ومنها شارع الشاليهات المعروف محليًا بـ"شارع الطينة"، وشارع فيصل بطول 1300م، وهي شوارع تربط شارع الرشيد الساحلي ببلدة القرارة مرورًا بمنطقة المواصي التي تتركز فيها غالبية مخيمات النزوح.
لكن تنفيذ المشروع لا يخلو من صعوبات، وفقًا لـ شراب، إذ تواجه البلدية أعطالًا متكررة في الكسّارات، المستخدمة لمعالجة الركام، إضافة لعدم توفر قطع الغيار اللازمة لصيانتها مما يعيق توفير الركام المخصص للفرد وتهيئة الطرق.
وأضاف: "البلدية تسعى لتوسيع المشروع ليشمل شوارع أخرى في الفترة المقبلة وفقاً لـ توفر التمويل والقدرة الانتاجية من الركام الناعم"، مشيرًا إلى أن اختيار الشوارع سيكون بناءً على توفر نقاط خدمية فيها؛ مثل مقار الجمعيات والمؤسسات والمطابخ الخيرية بما يحقق أكبر فائدة.

ولفت رئيس البلدية إلى أن الطواقم الفنية ستعمل على تقييم نتائج الفرد والتهيئة، كون هذه الطبقات المستخدمة غير مستقرة وبحاجة إلى متابعة سنوية لتحسينها.
ويطالب شراب بضرورة إدخال معدات إزالة الركام ومواد الإعمار، وتهيئة البنية التحتية بمعايير هندسية منظّمة تخلق معالجات جذرية للأزمات الراهنة.
في المحصلة، ما تحقق على الأرض، لا يمثل إلا تحسنًا مرحليًا في القدرة على الحركة أكثر منه حلًا دائمًا، وما بين تحسنٍ مؤقت وقلق مستمر، يبقى واقع الطرق في القطاع المنكوب معلقًا بين ما هو ممكن الآن، وما يحتاج إلى معالجة أعمق لم تتبلور بعد.
