"ضبابٌ فوق جبل النجمة".. "التيه" كحكاية!
تاريخ النشر : 2026-04-05 11:30
الكاتب الفلسطيني والروائي زياد خداش

غزة- الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في روايته الأخيرة "ضباب فوق جبل النجمة"، لا يكتب زياد خداش حكايةً تُروى بقدر ما يفتح بابًا يُفضي إلى الداخل، إلى منطقةٍ يتداخل فيها المعنى بالشك، ويصبح السرد أقرب إلى محاولةٍ لفهم ما لا يُفهم.

منذ اللحظة الأولى، لا يبدو الضباب مجرد تفصيل بصري، بل حالة تتسرّب إلى كل شيء، تغلّف المكان، وتنعكس في الوجوه، وتستقر في الوعي كأنها قدَر.

فوق الجبل، تتبدل العزلة ولا تختفي؛ تصبح أكثر انفتاحًا، وأكثر التصاقًا بالتأمل، هناك لا يعود همّام يبحث عن إجابة، بل يستقر داخل السؤال نفسه.

هناك، في قلب هذا الضباب، تتشكّل شخصية "همّام" ببطء كمرآةٍ لعالمٍ أوسع. يبدأ من العزلة القاسية داخل مشفى المجذومين، حيث لا يكون المرض حالةً جسدية فحسب، بل امتدادًا لمعنى أعمق من الإقصاء، إذ يُدفع الإنسان إلى الهامش ليس لأنه مريض بل لأنه مختلف، أو لأنه ببساطة لا يشبه الصورة التي يريدها المجتمع لنفسه.

بين تلك الجدران المغلقة، تتكوّن أولى طبقات الغياب، ويبدأ همّام في التلاشي عن العالم، أو لعل العالم هو الذي يتلاشى عنه، وحين يغادر إلى جبل النجمة، لا يكون ذلك انتقالًا من مكانٍ إلى آخر، بل خروجًا من ضيقٍ إلى اتساعٍ لا يقلّ قسوة.

هذا الالتباس لا يبدو خللًا في البناء بل خيارًا واعيًا، فخداش لا يكتب ليشرح، بل ليضع القارئ داخل التجربة، "أن يشعر بالعتمة لا أن يراقبها من الخارج".

هناك، فوق الجبل، تتبدل العزلة ولا تختفي؛ تصبح أكثر انفتاحًا، وأكثر التصاقًا بالتأمل، هناك لا يعود همّام يبحث عن إجابة، بل يستقر داخل السؤال نفسه، كأن اليقين لم يعد خيارًا متاحًا في عالمٍ تتشابه فيه الطرق كما تتشابه الظلال.

في هذا المسار، يتكثف حضور الضباب بوصفه انعكاسًا داخليًا، لا عنصرًا خارجيًا، ويعترف خداش أن "الضباب أثناء الكتابة كان يشير إلى الفلسطيني الذي يمشي في طرقٍ لا يرى نهاياتها، ولا يمتلك يقين الاتجاه فيها".

لم يكن وصفًا جماليًا، بل تعبيرًا عن حالة إنسانٍ يعيش داخل التباسٍ دائم، حيث تختلط الحقيقة بما يشبهها، ويغدو الإدراك نفسه موضع تساؤل.

هذا الالتباس لا يبدو خللًا في البناء بل خيارًا واعيًا، فخداش لا يكتب ليشرح، بل ليضع القارئ داخل التجربة، "أن يشعر بالعتمة لا أن يراقبها من الخارج".

اللغة عنده لا تمهّد الطريق، بل تفتح مساراتٍ متداخلة، والأحداث لا تسير بخطٍ مستقيم، بل تتشابك كما تتشابك الأزمنة في واقعٍ لا يُفهم بسهولة.

ومن هنا، تتسع اللعبة السردية التي يجيدها، حيث يخلط بين التاريخ والخيال دون أن يعتذر عن ذلك. يستدعي شخصياتٍ حقيقية، وأماكن مألوفة، وأحداثًا موثقة، لكنه لا يعيد سردها كما هي، بل يفككها ويعيد تركيبها داخل نسيجٍ عجائبي، يمنحها حياةً أخرى.. يفعل ذلك ليقرأ ما لم يُقرأ، وليكشف عن طبقاتٍ خفية لا تظهر في السرد المباشر.

يقف خداش في منطقةٍ وسطى، لا ينتمي بالكامل إلى صورة المؤرخ، ولا ينفصل كليًا عن الشاعر.. يكتب من تماسٍّ دقيق بين ما حدث وما يمكن أن يحدث، بين الحقيقة كما وُثّقت، والحقيقة كما يمكن تخيّلها.

هذا التوازن، بما يحمله من هشاشةٍ وقوةٍ في آنٍ معًا، هو ما يمنح النص عمقه النفسي، ويجعله أقرب إلى تجربةٍ تُعاش لا مجرد نصٍ يُقرأ.

في هذا العالم، لا يكون المكان خلفيةً صامتة، بل كائنًا حيًا يقود الحكاية: جبل النجمة، ومشفى المجذومين في الطالبية لا يحتضنان الأحداث فقط بل يصنعانها.

في هذا العالم، لا يكون المكان خلفيةً صامتة، بل كائنًا حيًا يقود الحكاية: جبل النجمة، ومشفى المجذومين في الطالبية لا يحتضنان الأحداث فقط بل يصنعانها، يوجهانها، ويعيدان تشكيلها.

المكان هنا ذاكرة، وبوصلة، وسبب، ونتيجة في آنٍ واحد، ومن دون ذلك كله، لا تتشكل الرواية، ولا يكتمل معناها، كأن الشخصيات نفسها تولد من تضاريسه، وتعود إليه في النهاية.

ومع تقدّم السرد، تتكشّف الرواية بوصفها كتابةٌ للذاكرة، لا تلك التي تُحفظ في الأرشيف، بل التي تعيش في التفاصيل الصغيرة، فيما قبل عام 1948م، حيث لا يُستعاد الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل كحياةٍ يمكن أن تُبعث من جديد عبر الخيال.

القدس، بضواحيها وأصواتها، لا تغيب عن هذا النسيج، بل تبقى مركزه الخفي، تنسحب منها الحكايات وتعود إليها، كأنها الأصل الذي لا يُمحى، وحين يُسأل عن الغموض، لا يدافع خداش عنه، بل يعيده إلى مصدره الأول: الحياة نفسها.

هو لا يتعمّد إرباك القارئ، ولا يسعى إلى إبهامٍ مصطنع، بل ينقل تعقيد الواقع كما هو، بتشظّيه والتباسه، فالرواية، في نظره، ليست أداةً لتفسير العالم، بل مرآة تعكسه، بكل ما فيه من تناقضات.

يستحضر تجربة دوستويفسكي، بوصفها دليلًا على قدرة الرواية على تفكيك التاريخ، لا مجرد تدوينه، فالنص حين ينظر إلى الحياة من منظورٍ تاريخي لا يكتفي بالسرد، بل يفتح احتمال التغيير كأن الحكاية نفسها يمكن أن تعيد تشكيل الوعي، وأن تقترح مسارًا مختلفًا لما كان يُظنّ أنه ثابت.

يترك خداش سؤالًا معلّقًا يتردّد في الفراغ كما يخيّم الضباب فوق الجبل: "من يكتب تاريخنا حقًا؟ المؤرخ الذي يثبت الوقائع، أم الروائي الذي يمنحها حياةً أخرى؟".

وفي نهاية هذا الامتداد، لا يقدّم خداش إجابة، بل يترك سؤالًا معلّقًا، يتردّد في الفراغ كما يخيّم الضباب فوق الجبل: "من يكتب تاريخنا حقًا؟ هل هو المؤرخ الذي يثبت الوقائع، أم الروائي الذي يمنحها حياةً أخرى؟".

في مكانٍ آخر من الحكاية، خارج النص وداخله في آنٍ واحد، يقف زياد خداش بوصفه ابنًا لهذه التفاصيل كلها! ابن المخيم، وابن الذاكرة، والكاتب الذي لا ينفصل عن حياة البسطاء، ولا يغادر فلسطين مهما اتسعت المسافات.

"ضباب فوق جبل النجمة" رواية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل نصًا يظل مفتوحًا، كما يظل الضباب مفتوحًا على احتمالاته، وكما تبقى فلسطين في وعي كاتبها، حقيقةً لا يمكن طمسها.

في الكتابة، يجد حريته الكاملة، مساحةٌ لا تطارده فيها الحواجز، ولا تقطعه فيها الطرق، فيستعيد الماضي كما يستحق أن يُروى، ثم يعيده إلى الحاضر في صورةٍ أقل قسوة، وأكثر احتمالًا.

هكذا، لا تكون "ضباب فوق جبل النجمة" روايةً تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل نصًا يظل مفتوحًا، كما يظل الضباب مفتوحًا على احتمالاته، وكما تبقى فلسطين في وعي كاتبها، حقيقةً لا يمكن طمسها، مهما اشتدّ الالتباس.