غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين الركام، حيث لا تزال الحجارة تحتفظ بحرارة القصف، ينحني شابٌ فوق قطعة خزفٍ مكسورة، ينفض عنها الغبار بيدٍ حذرة، كأنّه يمسح عن وجهها قرونًا من التعب.
في غزة، لم تعد مهمة إنقاذ الأرواح وحدها ما يشغل الناجين، بل امتدت إلى ما هو أبعد.. إنقاذ الذاكرة نفسها من تحت أنقاض الإبادة.
يقضي نحو 20 شابًا وشابة أيامهم في البحث عن قطعٍ تراثية تضررت بفعل الحرب. يستخرجونها أحيانًا بأيديهم العارية، في محاولة لحمايتها من الاندثار.
ضمن هذا المشهد، يقضي نحو عشرين شابًا وشابة أيامهم في البحث بين الركام عن قطعٍ تراثية تضررت بفعل الحرب، يستخرجونها بما توفر من أدوات بسيطة، وأحيانًا بأيديهم العارية، في محاولة لحمايتها من الاندثار، وحفظها في أماكن مؤقتة، بانتظار يومٍ تُعرض فيه من جديد، شاهدةً على تاريخ لم يُمحَ بعد.
في مطلع عام 2024م، اجتمع هؤلاء الشبان وأطلقوا على أنفسهم اسم "حراس التراث"، حاملين على عاتقهم مهمة الوصول إلى القطع الأثرية التي كانت تحتضنها متاحف عامة وشخصية في مختلف مناطق قطاع غزة. تلك القطع التي تحكي كلٌ منها، فصلاً من فصول الحضارات التي مرّت على الأرض الفلسطينية.

يقول محمد أبو لحية، منسق برنامج حماية التراث في جمعية "مياسم للثقافة والفنون" التي يتبع لها الفريق: "منذ التأسيس عملنا في شمال قطاع غزة وجنوبه، ومن أبرز الأماكن التي انتشلنا منها قطعًا أثرية مهمة متحفا الأسطل وشهوان، إضافة إلى المعرض المملوكي للوحات الفنية، وغيرها من المتاحف الشخصية والعامة والمواقع التاريخية الممتدة على طول غزة".
ويشرح آلية العمل بقوله: "نبدأ برصد الموقع الذي تعرّض للدمار، ثم نقوم بالمعاينة، وبعدها يعمل أعضاء الفريق ضمن مجموعات على جمع كل المعلومات المتاحة حول المكان والقطع التي كانت موجودة فيه، لنبدأ بعدها عمليات البحث والانتشال".
أبو لحية: "نقوم بترميم بعض القطع، وننقلها إلى مناطق آمنة للحفاظ عليها من التلف أو الضياع مرة أخرى".
ولا تتوقف المهمة عند استخراج القطع، إذ يضيف أبو لحية: "نقوم بترميم بعض القطع، وننقلها إلى مناطق آمنة للحفاظ عليها من التلف أو الضياع مرة أخرى"، مؤكدًا أن الفريق تمكن حتى الآن من انتشال مئات القطع الأثرية واللوحات التاريخية، التي تعكس تعاقب العصور والشعوب على أرض فلسطين عبر مئات السنين.
قبل الحرب، كان أبو لحية يمتلك "متحف القرارة الثقافي" شرقي خان يونس، الذي ضم مئات القطع الأثرية التي جمعها على مدار سنوات، وكان محطة للفعاليات الوطنية والشعبية، لكن ذلك تغيّر جذريًا. يزيد: "منذ بداية الإبادة تعرّض المتحف للدمار، وصُنّفت المنطقة التي يقع فيها منطقة صفراء، ولم أتمكن من الوصول إليه، وللأسف فقدنا كل ما كان فيه من مقتنيات".
العبادلة: "يعمل الفريق بالتعاون مع مؤسسات محلية ودولية، ورغم الظروف المعقدة، تمكن من تجاوز العديد من العقبات وانتشال مئات القطع".
في موازاة ذلك، يوضح يوسف العبادلة، المنسق الإعلامي للجمعية، أن "أهمية عمل الفريق تنبع من كونه يحافظ على إرثٍ حاول الاحتلال محوه عبر التدمير والتجريف والسرقة"، مضيفًا: "يعمل الفريق بالتعاون مع مؤسسات محلية ودولية، ورغم الظروف المعقدة، تمكن من تجاوز العديد من العقبات وانتشال مئات القطع".
ويلفت إلى أن "نقص الإمكانات والمعدات الثقيلة، مثل الكباشات والبواقر، يشكل تحديًا كبيرًا"، موضحًا أن أعضاء الفريق يضطرون أحيانًا للعمل بأيديهم، وحمل القطع الثقيلة دون أي وسائل مساعدة.
أعضاء الفريق ينتمون إلى تخصصات متعددة، من الهندسة إلى التاريخ والآداب، لكن ما يجمعهم هو "حب التراث، والإيمان بضرورة إنقاذه من الضياع".
ويتابع: "تعمد الاحتلال خلال حرب الإبادة تدمير التراث والآثار بشكل ممنهج، لذلك كان إصرارنا على إطلاق فريق حراس التراث، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه".
ولا تقتصر جهود الفريق على الانتشال فقط، بل تشمل أيضًا أرشفة القطع وترميمها، والاحتفاظ بها في أماكن مناسبة، تمهيدًا لإعادة عرضها مستقبلًا.
ويشير العبادلة إلى أن أعضاء الفريق ينتمون إلى تخصصات متعددة، من الهندسة إلى التاريخ والآداب، لكن ما يجمعهم هو "حب التراث، والإيمان بضرورة إنقاذه من الضياع".
يخطط الفريق لإطلاق حملة إعلامية، لرفع الوعي بأهمية التراث الثقافي وضرورة حمايته، في ظل حربٍ لم تكتفِ باستهداف البشر، بل امتدت لتطال الحجارة التي تحفظ ذاكرتهم.
وبينما يستمر العمل الميداني، يخطط الفريق لإطلاق حملة إعلامية خلال الأسابيع المقبلة، تهدف إلى رفع الوعي بأهمية التراث الثقافي وضرورة حمايته، في ظل حربٍ لم تكتفِ باستهداف البشر، بل امتدت لتطال الحجارة التي تحفظ ذاكرتهم.
وبحسب ما وثقته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، فقد دمّرت "إسرائيل" خلال الحرب نحو 206 مواقع تاريخية في قطاع غزة، إضافة إلى قصف عشرات المكتبات والمتاحف الشخصية، ما أدى إلى فقدان آلاف القطع الأثرية والكتب التي تشكّل جزءًا من تاريخ المدينة وفلسطين.
ورغم ذلك، يواصل "حراس التراث" عملهم، كأنهم يسابقون الزمن، لا لإنقاذ حجارة صامتة، بل لإنقاذ حكاية شعبٍ تُكتب، مرةً أخرى، من تحت الركام.
