غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ينحني الشيف الصغير ياسر عياد فوق قدرٍ نجا من قصف منزله، يُحرّك الطعام ببطءٍ وحذر، كأنّه يخشى أن يوقظ ما تبقّى من الوجع حوله، لا يرفع عينيه كثيرًا، ويكتفي بمراقبة النار التي تلتهم الحطب تحت الإناء، بينما تتصاعد رائحة المسخّن الفلسطيني، ممزوجةً بدخانٍ خفيف وغبار الركام الذي لم يغادر المكان منذ أن تهدّم كل شيء.
بيديه الصغيرتين، يوزّع على الخبز ما تيسّر من حبّات البصل وقليلٍ من زيت الزيتون، في مشهدٍ لا يشبه كثيرًا ما كان عليه المطبخ الغزّي قبل الحرب، فالأطباق التي تُطهى اليوم لا تُشبه أصلها بعدما بدّلت المجاعة والحصار ملامحها، ودفعت الناس إلى إعادة اختراع وصفاتهم بما توفر، لا بما يشتهون.
في زاويةٍ ضيّقة، بجوار منزلٍ شبه مدمّر، أقام ياسر ذو الأربعة عشر عامًا مطبخه المؤقت. مساحةٌ بالكاد تتّسع له ولأدواته القليلة، لكنها تختزن حكاية شغفٍ وُلد في بيتٍ كان عامرًا، قبل أن تنتزع الحرب روح والده وتتركه وحيدًا أمام ما تبقّى.
يقول مبتسمًا، كأنّه يقدّم نفسه للعالم من جديد: "أنا الشيف ياسر عياد".. جملةٌ بسيطة، لكن ما تخفيه أكبر من الكلمات، إذ فقد ياسر منزله، وخسر المساحة الآمنة للطهي، فاختار أن يقف في الخارج، رغم خطر الحجارة التي قد تسقط في أي لحظة، وخوفه من تلك النار التي يشعلها من أجل الحياة، أن تتحوّل فجأةً إلى تهديد.
يخبرنا: "لا نستطيع الطهي داخل ما تبقّى من المنزل، فخطر إشعال نار الحطب كبير. ومع ذلك، كان عليّ أن أخوض هذا التحدي، حتى وإن بدأت من لا شيء". "اللا شيء" هنا ليس لفظًا مجازيًا، بل واقعًا أعاد تشكيله بيديه.
من تحت الركام، أخرج فرنًا قديمًا كان يعمل بالكهرباء، لم يتركه فريسةً للغبار، بل أعاد ابتكاره وحوّله ليعمل على الحطب، كأنّه يرفض أن تتوقّف الأشياء عن أداء دورها، حتى وإن تغيّرت الظروف بالكامل.
هنا، في هذا الركن الهش، بدأ يطبخ ما يعرفه أهل غزة: الفتة الغزّية، والمفتول، والمقلوبة، وأطباقًا تعلّمها في بيتٍ لم يعد كما كان.
حين يعود إلى ذكرياته مع والده، يفعل ذلك بهدوءٍ يشبه الغصّة، هو لا يطيل الحديث، لكنه يضعه في قلب الحكاية. يضيف: "كان يحبّ الطبخ كثيرًا، يقف مع أمي في المطبخ ويطبخان لنا معًا".
صورةٌ صغيرة في قلب الذاكرة، لكنها كانت كافية لتغيّر توجه طفلٍ بالكامل. يكمل: "قررت أن أكون مثله.. القرار وُلد في لحظة، لكنني أقتنع به أكثر في كل طبقٍ أقدّمه".
لم يبدأ من مشروعٍ كبير، بل من رغبةٍ صغيرة.. أن يطبخ، وأن يقدّم ما يصنعه لعائلته، لكن الفكرة، كما كل الأشياء التي تولد من الحاجة، كبرت أكثر.
صار الطبخ وسيلته لحفظ ما تبقّى من ذكريات أبيه، ومن البيت الذي تغيّر. أكثر ما يحبّ صنعه هو المسخّن، لا لمذاقه فقط، بل لأنه "مرتبط بتراثنا" -كما يقول- كأنّه يتمسّك به كجزءٍ لا يمكن للحرب أن تنتزعه.
وسط هذا كله، لا يكثر ياسر من الحديث عن الصعوبات، رغم أنها تحيط به من كل اتجاه، بل يختار أن يتحدّث عمّا يريد، لا عمّا فقد.
يقول: "حلمي أن أفتح مطعمًا باسمي (الشيف ياسر)، وأن يأتي الناس ليأكلوا مما أصنعه". حلمٌ بسيطٌ بصياغته، لكنه في واقعه قفزةٌ واسعة خارج الركام.
"حلمي أن أفتح مطعمًا باسمي (الشيف ياسر)، وأن يأتي الناس ليأكلوا مما أصنعه",
بين نار الحطب وبقايا البيت، لا يكتفي ياسر بطهي الطعام، بل يحاول إعادة تشكيل الحياة على مهل.
طبقٌ بعد طبق، لا يراها مجرد وجباتٍ تسدّ الجوع، بل محاولاتٍ صادقة للوقوف من جديد، بعد كل ما خلّفته الحرب. في كل مرةٍ يشعل فيها النار، يعلن أن ما انكسر لا يعني النهاية، بل بدايةً أخرى تُصنع، ولو من الرماد.
