"مُبعَدٌ" لم يُضيّع الطريق: "بالانتماء لا بالمسافة"
تاريخ النشر : 2026-03-24 11:27
المبعد عن الأقصى نظام أبو رموز

القدس/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في سلوان، حيث تلتصق البيوت بأسوار القدس كما لو أنها تحرسها، وُلد نظام أبو رموز، وكبر وهو يرى المسجد الأقصى امتدادًا طبيعيًا ليومه، لا مكانًا بعيدًا يحتاج إلى رحلة.

هناك، في المسافة التي لا تتجاوز دقائق، تشكّلت طفولته، وامتلأت ذاكرته بتفاصيل صغيرة صارت مع الوقت معنىً كاملاً للحياة.

"هناك، في تلك الباحات، تشكّلت علاقتي بالمكان، علاقة لا تقبل الانقطاع، حتى حين حاولت قرارات الاحتلال أن تفرض ذلك بالقوة".

لم يكن الأقصى بالنسبة له مجرد مسجد، بل كان ساحة اللعب الأولى، ودفتر الدروس، ووجهة الصلاة، ومسرح الذكريات التي لا تنفصل عنه مهما طال الغياب.

يستعيد أبو رموز تلك السنوات بصوتٍ يثقله الحنين، ويخبرنا كيف كان والديه معتادان على اصطحابه وأخوته صغارًا إلى الأقصى، حيث كانوا يركضون ويأكلون ويصلّون، ويتعلمون أولى دروسهم: "هناك، في تلك الباحات، تشكّلت علاقتي بالمكان، علاقة لا تقبل الانقطاع، حتى حين حاولت قرارات الاحتلال أن تفرض ذلك بالقوة" يقول.

في عام 2013م، بدأ الفصل الأكثر قسوة في هذه العلاقة. كان الأقصى يومها عامرًا بمصاطب العلم ورواده، مشهدٌ لم يرق للاحتلال، فبدأت حملة التضييق التي طالت المشاركين، وانتهت باعتقال أبو رموز وعددٍ من المرابطين هناك، والاعتداء عليهم، ثم إصدار أول قرار إبعاد بحقه لمدة ستة أشهر.

لم يكن ذلك القرار سوى بداية سلسلة طويلة من الإبعادات التي توالت على مدار السنوات، وبعضها امتدَّ ليشمل البلدة القديمة بأكملها.

منذ تلك اللحظة، لم يعد الطريق القصير إلى الأقصى متاحًا. يضيف أبو رموز: "عشرة أعوام مضت دون أن أتمكن من دخول المسجد في شهر رمضان، الشهر الذي كان يشكّل ذروة علاقته بالمكان. صرت أصلّي على الأبواب: عند طريق المجاهدين، وباب السلسلة، وباب الساهرة. أحاول أن أقترب قدر ما أستطيع".

ومنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، بات الإبعاد متواصلًا، تُجدد مدده كل بضعة أشهر، كأن الزمن نفسه يُعاد ليبقيه خارج المكان.

تحت ذرائع تتكرر بصيغٍ مختلفة: "خطر على المنطقة" أو "إزعاج المستوطنين"، تصدُر قرارات الإبعاد بحق النشطاء والمرابطين، في سياسة واضحة الهدف: تفريغ الأقصى من أهله، وفتح المجال أمام اقتحامات المستوطنين.

بالنسبة لأبي رموز، لم تكن تلك مجرد إجراءات، بل مشاهد يومية من الإقصاء، رأى فيها المستوطنين يتجولون في باحات المسجد ويؤدون طقوسهم، بينما يُمنع هو من مجرد الوصول إليه.

يزيد: "لا أستسلم لهذه القرارات، بل أذهب باستمرار إلى أقرب نقطة يمكنني بلوغها، أصلّي هناك، وأشعر أن روحي تسبق جسدي إلى الداخل. في هذا التحدي الصامت، أجد طريقتي الخاصة للبقاء، كأن القرب لا يُقاس بالمسافة، بل بالانتماء".

ما كانت والدته تحمله معهم إلى الأقصى في طفولته، يحمله اليوم وحده: كعك، وفلافل، وقطع بيتزا. يذهب بها إلى حيث يستطيع الوقوف، يعيد الطقوس، ويستحضر المكان كما كان.

حتى التفاصيل الصغيرة لم يفلتها. ما كانت والدته تحمله معهم إلى الأقصى في طفولته، يحمله اليوم وحده: كعك، وفلافل، وقطع بيتزا. يذهب بها إلى حيث يستطيع الوقوف، يعيد الطقوس نفسها، ويستحضر المكان كما كان. في تلك اللحظات، يصنع لنفسه فرحًا صغيرًا، يؤكد له أن ما انقطع في الجغرافيا، ما زال متصلًا في الذاكرة.

تأخر لقاء "نوى" به أيامًا بعد اعتقاله خلال صلاته في أواخر رمضان عند بوابات الأقصى، حيث صدر بحقه قرار حبس منزلي لأسبوع، فيما يستمر قرار إبعاده الحالي حتى الرابع عشر من تموز/ يوليو القادم.

وعلى مدار سنوات الإبعاد، تعرّض لاعتقالات متكررة، وضرب وتنكيل، كان أبرزها عام 2018م عند باب حطة، حين أصيب بجروحٍ قرب عينه استدعت عملية جراحية وسبعة عشر غرزة في وجهه.

يتحدث عن ذلك بهدوءٍ لافت، كأن الألم لم يعد حدثًا طارئًا، بل جزءًا من الطريق: "كل شيء يهون فداءً للأقصى. دقيقة واحدة في باحاته كفيلة بأن تعيد إلي ما سلبه الغياب".

ويعبّر بابتسامةٍ عفوية: "لو أُتيحت لي دقيقة، سأركض في كل زاوية".

ومع ذلك، لا يرى في هذه السياسة نجاحًا، بل يؤكد أن الإبعاد لم ينجح في اقتلاع "أحباب الأرض" من المكان، بل زادهم تمسكًا به، "صحيح أنها من أقسى ما يفرضه الاحتلال على رواد الأقصى، لكنها تبقى ناقصة، لأن ما يسكن القلب لا يمكن إبعاده بقرار".

في موازاة هذه الشهادة، يوضح الدكتور ناصر الهدمي، رئيس اللجنة المقدسية لمناهضة التهويد، أن سياسة الإبعاد بلغت مرحلة غير مسبوقة، حيث بات الاحتلال يفرض واقعًا جديدًا على المسجد الأقصى، وصل إلى حد إغلاقه معظم شهر رمضان، ومنع الصلوات والاعتكاف، بذريعة الأوضاع الأمنية.

ويشير إلى أن هذا التحول لا يقتصر على إجراءات مؤقتة، بل يحمل دلالات خطيرة على مستقبل المكان، في ظل غياب أي دور فعلي لدائرة الأوقاف في مواجهة هذه السياسات.

يتحدث الهدمي عن شعورٍ جماعي بالاقتلاع، حيث حُرم المقدسيون من تفاصيل كانت تشكّل جزءًا من هويتهم اليومية: صلاة التراويح، والازدحام في الساحات، والإحساس بالانتماء الذي لا يتكرر في مكانٍ آخر.

ويقول: "عدد المبعدين خلال الفترة الأخيرة قُدّر بالمئات، فيما فُرضت قيود غير مسبوقة على دخول المصلين من الضفة".

في هذا المشهد، تبدو سياسة الإبعاد حلقةً ضمن مسارٍ أوسع، يستهدف إعادة تشكيل المكان عبر تفريغه من أهله، وتركه عرضةً لوقائع جديدة تُفرض تدريجيًا، لكن، بين هذه المحاولات، تبقى الحكايات الفردية (كحكاية أبو رموز) دليلًا على أن العلاقة بالمكان لا تُقاس بالحضور الجسدي فقط، بل بما يظل عالقًا في القلب.

وبين بابٍ يُغلق، وآخر يُصلى عنده، يواصل أبو رموز حياته كما لو أنه لم يُبعد قط. يورث أبناءه (ثلاث بنات وولدين) الحكاية نفسها التي كبُر عليها، يغرس فيهم حب الأقصى كما غُرس فيه، ويترك لهم ما لم يستطع الاحتلال انتزاعه: ذاكرةٌ حيّة، وانتماء لا يقبل الإلغاء، ويؤكد: "من يعرف الطريق إلى الأقصى، لا يضيعه، حتى لو طال الغياب".