زيارات العيد.. خيامٌ تُقصي الفرح وتؤجل "اللّمة"
تاريخ النشر : 2026-03-22 08:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمةٍ ضيّقة لا تتّسع لذكريات "البيت"، تختصر كفاح حسنين عيدها في ساعتين، ثم تعود محمّلة بما هو أثقل من الزيارة نفسها.

تقول: "اختصرتُ زيارة العيد إلى خيمة أختي لساعتين، خرجتُ أحمل حزني وألمي، عيدٌ آخر محرومة من لمّة إخوتي، تغيّر كل شيء بسبب الحرب". هكذا، ببساطةٍ موجعة، تختصر امرأة في الخمسين من عمرها حكاية عيدٍ لم يعد يشبه نفسه.

لم تكن الزيارات في حياة كفاح مجرّد واجب اجتماعي، بل طقسًا دافئًا يتكرّر كل عام، حين تعود البنات المتزوجات إلى بيت العائلة في ثاني أو ثالث أيام العيد، يحملن معهن أبناءهن وذكرياتهن، ويمكثن ليلة كاملة تستعاد فيها تفاصيل الطفولة. "لكن الحرب، التي لم تترك بيتًا على حاله، بدّدت هذا الطقس كما بدّدت البيوت وسوّتها بالأرض" تستدرك.

نزحت كفاح من رفح إلى خيمة في خانيونس، جنوبي قطاع غزة، وتفرّق إخوتها في خيام أخرى، حتى صار اللقاء -إن حدث- مشقّة تُنتزع من بين المسافات ووسط شحّ المواصلات.

"المسافات بيننا بعيدة، زارني اثنان من إخوتي فقط. فكرة المبيت لم تعد موجودة، فأشقائي يعيشون في خيام، لذا اقتصرت زيارتي على ساعة".

تضيف بصوتٍ مثقل: "المسافات بيننا بعيدة، زارني اثنان من إخوتي فقط. فكرة المبيت لم تعد موجودة، فأشقائي يعيشون في خيام، لذا اقتصرت زيارتي على ساعة".

وتمضي بالقول، كأنها تودّع زمنًا كاملًا: "انتهت تلك الأيام التي كانت فيها اللمّة مبهجة، يملؤها الضحك وذكريات الطفولة. الآن، حتى الزيارة القصيرة في الخيمة لا ضحك فيها، فقط مواساة لإخوتي الثلاثة الذين فقد كل واحد منهم ابنًا شهداء، أثناء محاولتهم تفقّد منازلهم في رفح".

ولا تختلف حكاية سها الصعيدي كثيرًا، وإن اختلف المكان. عادت السيدة من نزوحها في دير البلح إلى خيمة في مدينة غزة، حيث كان بيتها قبل الحرب، لكنها عادت إلى مكانٍ بلا بيت، وإلى عيدٍ بلا لمّة.

تقول: "قبل الحرب، كنت أتفق مع أخواتي المتزوجات ونذهب في ثالث أيام العيد للمبيت في بيت أهلي، لأنني في اليوم الثاني كنت أستقبل شقيقات زوجي. كانت لمّتنا كلّها ضحكًا ونكات، يلتقي أطفالي مع أطفال شقيقاتي وأبناء أشقائي، وكانت فرصة لأمي لاستعادة ذكريات طفولتنا".

تضحك سها، لكن ضحكتها لا تُخفي ما وراءها: "لمّة لم تكن تخلو من بعض المقالب بيننا، لكن شقيقي محمد الذي كان يتحفنا بمقالبه، استُشهد في بداية الحرب". عند هذه الجملة، لا يعود الضحك سوى قناعٍ هشّ لغيابٍ لا يُعوّض، وكأن العيد نفسه فقد أحد أركانه الأساسية.

في العام الماضي، كانت سها نازحة في دير البلح، بينما كانت عائلتها في خانيونس. زارتهم يوم العيد، وباتت في خيمة أمها، لكنهم لم يتمكنوا من زيارتها.

أما هذا العام، فقد ازدادت المسافات قسوة. تخبرنا: "غزة بعيدة جدًا بسبب صعوبة المواصلات. لم يتمكن إخوتي من زيارتي، وأنا زرت أمي سريعًا دون مبيت، ولم أحظ بلمّة مع أخواتي، وحتى الزيارة، كلّها حديث عن وجع المعيشة في خيمة وصعوبة الأوضاع".

كانت زيارات العيد، في غزة، أكثر من عادة.. كانت خيطًا متينًا يربط العائلة الممتدة، ويعيد نسج العلاقات كل عام. في اليومين الثاني والثالث تحديدًا.

كانت زيارات العيد، في غزة، أكثر من عادة.. كانت خيطًا متينًا يربط العائلة الممتدة، ويعيد نسج العلاقات كل عام. في اليومين الثاني والثالث تحديدًا، كانت البيوت تمتلئ بالأصوات، وتُستعاد الحكايات القديمة، ويجد الجميع مساحةً للفرح المشترك، لكن الحرب التي أعادت تشكيل كل شيء، أعادت أيضًا تعريف العيد نفسه، فصار أقلّ قدرة على جمع الناس، وأكثر قدرة على تذكيرهم بما فقدوه.

وتوضح الباحثة في علم الاجتماع، الدكتورة ختام أبو عودة، أن طقوس رمضان والأعياد تغيّرت بفعل الحرب والنزوح والقصف المستمر، وحياة الناس في الخيام ومراكز الإيواء، وهو ما ترك انعكاسات نفسية واجتماعية عميقة، "ورغم محاولات الناس الحفاظ على التماسك الاجتماعي، فإن الواقع الجديد فرض إيقاعه القاسي" تقول.

وتشير إلى أن هذا الواقع يولّد شعورًا بالحزن العميق، وأحيانًا إحساسًا بالفقد حتى لمن هم على قيد الحياة، فالمسافات، وحتى ضيق المكان، يخلقان عزلة داخل العائلة نفسها، ويُفقدان العيد بهجته حين تغيب اللمّة.

وتضيف: "كثيرين باتوا يكتفون بزيارة الأرحام في رمضان بدل العيد، أو يعتذرون عن الزيارة أصلًا، بسبب بُعد المكان أو ضيق الحال المادي والمعنوي، فضلًا عن فقدان الخصوصية في الخيام، والتوتر النفسي، وعدم تهيئة أماكن مناسبة لاستقبال الضيوف".

هذا التحوّل لم يتوقف عند حدود الطقوس، بل امتدّ إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها، فبدل الزيارات، باتت التهاني تُختصر في اتصال هاتفي أو رسالة عبر تطبيق "واتساب"، وتقلّصت دائرة العائلة إلى نواتها الصغيرة، فيما تراجعت صورة العائلة الممتدة التي كانت تجمع الجميع.

"العائلات كوّنت في المقابل علاقات جديدة داخل المخيمات ومراكز الإيواء، واكتفت بها إلى حدّ ما، كنوعٍ من التكيّف مع الواقع".

تزيد أبو عودة: "العائلات كوّنت في المقابل علاقات جديدة داخل المخيمات ومراكز الإيواء، واكتفت بها إلى حدّ ما، كنوعٍ من التكيّف مع الواقع".

ومع ذلك، ورغم كل هذا التبدّل، يبقى شيءٌ واحد عصيًّا على التلاشي.. الذاكرة.

تضيف أبو عودة: "مهما كان الواقع صعبًا، تبقى لدينا ذكريات سنعيد الحديث عنها ذات يوم"، وكأن العيد، وإن فقد لَمّته اليوم، ما زال يعيش في حكايات تُروى، وفي قلوبٍ تنتظر أن تستعيد، يومًا ما، بيتًا يتّسع للجميع.