مصنعٌ للحلقوم يَردُّ للعيد مذاقَه بغزة
تاريخ النشر : 2026-03-18 08:35

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل ساحةٍ مفتوحة أُقيمت من ألواح الزينكو وشوادر النايلون، يتحرك سفيان الريفي بين العمال، ليراقب بعينٍ خبيرة تفاصيل صناعة الحلقوم، كمن يحاول أن يعيد ترتيب طعمٍ قديمٍ اختنق طويلًا تحت ركام الحرب.

لم يعد المكان مصنعًا كما كان، بل محاولة مؤقتة لإعادة الحياة إلى مهنةٍ انقطعت، وإلى ذاكرةٍ كانت ترتبط بالعيد أكثر مما ترتبط بالربح.

في النصيرات، بدأ من الصفر: لا آلات، ولا مواد خام، ولا حتى بيئة مناسبة للعمل، كانت الأسعار مرتفعة إلى حدٍ أعاق أي بدايةٍ مستقرة، لكن الحاجة دفعت نحو المحاولة.

بعد شهور طويلة من التوقف، يعود الرجل إلى العمل كاستجابةٍ لحاجةٍ أعمق، ويقول: "بعد فترة طويلة من الانقطاع عن العمل وتجربة النزوح القاسية، عدنا من جديد لصناعة الحلقوم والحلويات، رغم كل الصعوبات التي واجهتنا".

قبل الحرب، كان سفيان يملك مصنعين في منطقتي تل الهوى والتفاح بمدينة غزة، حيث كانت حلوى الحلقوم أو الراحة، تُعد جزءًا من مشهد الأعياد، تُصنع بكميات كبيرة وتُوزّع في الأسواق. "لكن مع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، تبدل كل شيء دفعة واحدة، دُمّر المصنعان، وتحوّلت المهنة التي ورثتُها إلى ذكرى، بينما وجدتُ نفسي نازحًا في المحافظة الوسطى، بلا عملٍ ولا أدوات" يستدرك.

يستعيد تلك اللحظة قائلًا: "خسرت المصنعين، وأصبحنا أنا والعمال بلا عمل، تنقلنا من مكان إلى آخر خلال النزوح، وواجهنا صعوبات كبيرة. في النهاية قررت العودة، لكن الطريق لم يكن سهلًا".

في النصيرات، بدأ من الصفر: لا آلات، ولا مواد خام، ولا حتى بيئة مناسبة للعمل، كانت الأسعار مرتفعة إلى حدٍ أعاق أي بدايةٍ مستقرة، لكن الحاجة دفعت نحو المحاولة.

يضيف: "بدأت مشروعًا بسيطًا رغم كل هذه المعوقات، فالناس كانت بحاجة إلى أي نوع من الحلوى (..) قبل الحرب، لم يكن عملنا يقتصر على الحلقوم فقط، بل كنا نصنع الكعك والمعمول والبيتيفور، لكن ما توفر لنا خلال الحرب كان محدودًا".

لاحقًا، ومع عودته المؤقتة إلى مدينة غزة بعد أول إعلان لوقف إطلاق النار، قرر أن يستعيد ما يمكن إنقاذه. عاد إلى مصنعه المدمّر، وبدأ بالحفر في الركام، قطعةً قطعة، بحثًا عن آلاتٍ أو طاولات يمكن استخدامها من جديد.

"لم يكن الأمر استعادةً لمصنع، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى من مهنةٍ كادت أن تُدفن" يعقب.

اليوم، يقف أبو أحمد في مصنعه الجديد بخانيونس، جنوبي القطاع، حيث نزوحه الأخير، يتأمل المساحة المفتوحة التي يعمل فيها. لا جدران تحيط به، ولا بنية تحتية مكتملة، لكن كل شيء موضوع بعناية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من شروط العمل.

"هذه المهنة نعمل بها منذ أكثر من أربعين عامًا. كنا نحقق اكتفاءً ذاتيًا في غزة، ونغطي حاجة السوق بالكامل، لكن الحرب قلبت كل شيء".

يردف: "هذه المهنة نعمل بها منذ أكثر من أربعين عامًا. كنا نحقق اكتفاءً ذاتيًا في غزة، ونغطي حاجة السوق بالكامل، لكن الحرب قلبت كل شيء".

يتنقل بين العمال ليتأكد من جودة العمل. السكر، النشا، وحامض الليمون، تُخلط جميعها فوق النار حتى تبلغ قوامها الكثيف، ثم يُضاف ماء الورد والمكسرات.

لكن حتى هذه التفاصيل البسيطة لم تعد كما كانت، فالمكسرات أصبحت باهظة الثمن، وغاز الطهي يُشترى بأسعار مرتفعة من السوق، ما يضاعف كلفة الإنتاج ويجعل كل قطعة حلوى محمّلةً بأعباءٍ إضافية.

يقول: "الإنتاج اليوم ليس كما كان قبل الحرب، نعتمد على ألواح الطاقة الشمسية ومولدات الكهرباء، وأحيانًا ننتج ألف كيلو يوميًا، وأحيانًا أقل".

يتوقف قليلًا، قبل أن يضيف بنبرةٍ تمزج بين الواقعية والإصرار: "لكننا مستمرون".

في هذا الموسم، يلمس سفيان تغيرًا طفيفًا في مزاج الناس رغم كل ما مرّوا به. هناك رغبة خافتة في استعادة شيء من طقوس العيد.

يوضح ذلك بقوله: "الحالة النفسية للناس أفضل قليلًا من السابق، وهناك إقبال كبير، حتى لو أنتجنا خمسة آلاف كيلو يوميًا، سنبيعها. الناس تريد أن تتذوق شيئًا يشبه العيد".

بين أوانٍ تغلي وملاعق تُحرّك خليط الحلقوم، لا يُصنع السكر وحده، بل تُعاد صياغة ذاكرةٍ كاملة. في هذا المكان الهش، حيث لا شيء ثابت سوى الإصرار، يتحول العمل إلى شكلٍ من أشكال الصمود، وتتحول الحلوى إلى محاولةٍ لترميم ما أفسدته الحرب. لا يبدو الحلقوم في غزة اليوم مجرد حلوى تُقدّم في العيد، بل أثرًا صغيرًا لحياةٍ كانت أكثر استقرارًا، وملمحًا من زمنٍ لم يكن فيه الفرح مشروعًا مؤجلًا.