غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن رولا عطالله تتخيّل أن العلامات التي بدأت تداهم جسدها في الأيام الأخيرة كانت إعلانًا صامتًا عن نهاية حملها.
ظلّت تتشبث بأمل صغير، تفسّر الألم العابر والتعب المفاجئ على أنه إرهاق عادي، إلى أن جلست أمام الطبيبة المشرفة التي أنهت كل مساحة للأمل بعبارة حاسمة: "الجنين هالك منذ خمسة أيام، وتحتاجين إلى عملية في أقرب وقت".
لكن ما بدا في تلك اللحظة قرارًا طبيًا عاجلًا، تحوّل سريعًا إلى مسار طويل من الانتظار. فذلك النوع من العمليات يحتاج -كما أُبلغت- إلى تنسيق إداري قد يستغرق ما بين أسبوع وأسبوعين حتى يُحدَّد موعد لإجرائها.
"سألت الممرضة متى يمكنني إجراء العملية". جاءها الرد بارداً ومقتضباً: "أقرب موعد بعد أسبوع، وعليك دفع التكاليف كاملة، نحو 350 شيكلاً".
تستعيد رولا تلك اللحظة بمرارة قائلة: "نزلت إلى الطابق السفلي وأنا أحمل في صدري غصّة فقدان طفلي، وسألت الممرضة متى يمكنني إجراء العملية". جاءها الرد بارداً ومقتضباً: "أقرب موعد بعد أسبوع، وعليك دفع التكاليف كاملة، نحو 350 شيكلاً".
عادت إلى غرفتها مثقلة بالفقد، تبكي جنيناً لم يولد، وبعد ساعات حاولت استعادة إيقاع يومها، فاستعدّت لتحضير الإفطار، لكن ما حدث لاحقاً بدّل كل شيء. تقول: "بعد الإفطار بقليل شعرت بمغص شديد، تبعه نزيف حاد".
اتصلت بطبيبتها الخاصة التي أكدت لها ضرورة إجراء العملية فوراً، محذّرة من تداعيات صحية خطيرة إن تأخر التدخل الطبي، غير أن تواصلها مع المستشفى لم يغيّر شيئاً، إذ أُبلغت بأن غرفة العمليات لا يمكن فتحها في ذلك الوقت.
تضيف: "ذلك اليوم كان يوم خميس، ولم أتمكن من العثور على موعد قبل يوم السبت، وهو اليوم الذي يداوم فيه طبيب التخدير".
وتزيد: "في صباح السبت ذهبت إلى المستشفى حاملة حقيبتي، خضعت للفحص الروتيني، ثم تُركت حتى الظهيرة دون أن يراني أحد".
عندما دخل الطبيب أخيراً، لاحظ تورم عينيها من البكاء. حاول تهدئتها، لكنه طلب منها شراء حبوب تساعد في تهيئة الرحم.
تردف: "تلك الحبوب يفترض أن تكون متوفرة في المستشفى، لكن والدتي خرجت لشرائها من صيدلية قريبة بوصفة طبية".
"عندما عدت إلى البيت شعرت أن كل ما أردته هو أن ينتهي هذا الكابوس (..) مثل هذه التجارب تستنزف النساء نفسياً وصحياً، خاصة في لحظة الفقد".
ورغم الألم الجسدي والنفسي الذي عاشته، توضح رولا أن ما لفت انتباهها أيضاً طريقة تعامل بعض أفراد الطاقم الطبي مع النساء المريضات. فخلال وجودها في المستشفى، لاحظت استخدام ألفاظ قاسية، وأحياناً أساليب توبيخ أو تعنيف لفظي بحق بعض السيدات.
تقول: "عندما عدت إلى البيت شعرت أن كل ما أردته هو أن ينتهي هذا الكابوس"، مشيرة إلى أن مثل هذه التجارب تستنزف النساء نفسياً وصحياً، خاصة في لحظة الفقد.

تجربة مريم مسلم لم تكن بعيدة كثيراً، فقد وجدت نفسها أمام المشهد ذاته، وإن اختلفت التفاصيل.
تقول مريم: "عندما أخبرت الطاقم الطبي بأنني بصدد عملية إجهاض، قوبلت بنظرات استنكار، وكأن القرار قراري الشخصي".
وتضيف: "تلك النظرة تغيّرت فقط بعد إجراء الفحص الطبي الذي أكد غياب نبض الجنين منذ أسبوع. عندها قيل لي أن أعود إلى منزلي، على أن يتم الاتصال بي لاحقاً لتحديد موعد العملية".
خرجت مريم من المستشفى والدموع تملأ عينيها. لم يكن الحزن على فقدان جنينها وحده ما يثقل قلبها، بل الشعور بأن كرامتها جُرحت أيضاً خلال تلك اللحظات.
بعض المؤشرات تستدعي تدخلاً سريعاً، "فالألم الشديد في البطن، أو النزيف الغزير، قد يكونان دليلاً على أن الرحم بدأ بالفعل بلفظ الجنين، ما يستوجب تحويل المريضة إلى غرفة العمليات على الفور".
من الناحية الطبية، توضح أخصائية أمراض النساء والولادة بسمة بشير أن المدة اللازمة لإجراء عملية إجهاض الجنين الهالك قد تختلف من امرأة إلى أخرى.
وتشرح أن ما يحدث في هذه الحالات يشبه عملية ولادة، إذ يحتاج الرحم إلى تهيئة قبل التدخل الطبي، وهو ما قد يستغرق أحياناً أياماً، وقد يصل إلى أسبوعين لدى بعض الحالات التي تسمح حالتها الصحية بذلك.
لكنها تؤكد أن بعض المؤشرات تستدعي تدخلاً سريعاً، "فالألم الشديد في البطن، أو النزيف الغزير، قد يكونان دليلاً على أن الرحم بدأ بالفعل بلفظ الجنين، ما يستوجب تحويل المريضة إلى غرفة العمليات على الفور".
وتحذر من أن التأخر في هذه الحالة قد يؤدي إلى ما يعرف بالإجهاض غير المكتمل، حيث يخرج جزء من المشيمة ويبقى جزء آخر داخل الرحم، وهو ما قد يسبب نزيفاً مستمراً ومضاعفات خطيرة.
"التشخيص المبكر قد يحدد وضع الجنين بدقة، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين أمراضاً مزمنة مثل اضطرابات الغدة الدرقية، إذ يكنّ أكثر عرضة للإجهاض".
وتوضح أن الإجراءات المتبعة عادة تبدأ بإعطاء المريضة حبوباً توضع تحت اللسان للمساعدة في تهيئة الرحم، قبل إدخالها إلى غرفة العمليات لإجراء ما يعرف بعملية الكحت والتنظيف. وفي حالات أخرى قد يحدث الإجهاض بشكل طبيعي، ولا تحتاج المريضة سوى إلى عملية تنظيف لاحقة.
وتنصح بشير النساء في الأشهر الأولى من الحمل بضرورة مراجعة الطبيب فور ملاحظة أي نزيف، لأن التشخيص المبكر قد يحدد وضع الجنين بدقة، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين أمراضاً مزمنة مثل اضطرابات الغدة الدرقية، إذ يكنّ أكثر عرضة للإجهاض.
"في النصف الثاني من الحمل، يجب مراقبة حركة الجنين وعدم تجاهل توقفها (..) إن تأكد فقدانه، تبقى الأولوية الأولى هي الحفاظ على صحة الأم وسلامتها".
أما في النصف الثاني من الحمل، فتشدد على أهمية مراقبة حركة الجنين وعدم تجاهل توقفها، ففي بعض الحالات قد تكون هناك فرصة لإنقاذ الجنين واستمرار الحمل، لكن إن تأكد فقدانه، تبقى الأولوية الأولى هي الحفاظ على صحة الأم وسلامتها.
وبين الألم الطبي والانتظار الإداري، تعيش بعض النساء في غزة تجربة الفقد مضاعفة، مرة حين يتوقف نبض الجنين، ومرة أخرى حين يتحول العلاج نفسه إلى رحلة طويلة من الانتظار والقلق.
