خيمة ملاكمة للفتيات تُوقظ الحُلم وتهذّب الحزن
تاريخ النشر : 2026-03-09 09:36

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"انقلبَ حال طفلتي غزل تماماً بعد الحرب، أكاد أجزم أنها أُصيبت باكتئابٍ جعلها انطوائية. كل ما مررنا به من مآسٍ قتلَ أحلامها من بعد حياة مرّفهة اعتدنا أن نعيشها، إلى أن لمحت تلك الخيمة وتغيَّر كل شيء". بهذا بدأت أم غزل حديثها لـ"شبكة نوى"، فغزل ابنة الرابعة عشر ربيعاً لم تعرف في البداية كيف تواجه الواقع المرير الذي كان أصعب ما فيه في نظرها، تدمير منزلهم في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، ومن ثمَّ إجبارهم على النزوح جنوباً تحت أزير الرصاص والمَدافع.

في خيمة النزوح في المواصي غرب خان يونس، كانت غزل تجلس بمفردها معظم الوقت وتشرد بأفكارها بعيداً، تحديداً إلى غرفتها وعالمها الخاص الذي دمرته الصواريخ الإسرائيلية، إلى أن حدث شيئاً بدا لافتاً بالنظر إلى اهتماماتها، ففي الأرض المجاورة لخيمة الأسرة، وجدت مجموعةً من الفتيات يتدربنَ على الملاكمة، ما جعلها تُهرول نحو أمها لتخبرها بالأمر.

تقول والدتها: "حين همست لي غزل أنها ترغب بالالتحاق بالفتيات اللواتي من جيلها، وجدتُها فرصة لأشجعها حتى تتغلب على الحالة النفسية السيئة التي تعيشها". وهكذا، من خيمةٍ وسط مخيمات النزوح، انطلقت غزل لتنخرط في تدريبات الملاكمة بأدواتٍ بدائية وبسيطة، وتفرغ جامَ غضبها وخوفها كلما لكَمت بيدها كيساً محشواً بالرمل، عٌلّق على سقف الخيمة المكوّن من الخشب والنايلون، محاولةً أن تجد ذاتها لمجابهة واقعٍ صعب سلبَ منها حيويتها وطاقتها المفعمة.

رويداً رويداً، أخذت غزل تتصالح مع طفولتها ومع الحياة القاسية، حيث صقلَ التدريب شخصيتها كثيراً، لتغدو فتاةً قوية جريئة لديها هدف تسعى وراءه. ومن المؤسف أن هذا لم يستمر طويلاً. فحين عادت العائلة إلى شمال القطاع، اضطرت لترك التدريبات، وحدث ما لم يكن في الحسبان.

تحكي لنا الأم: "قصفَ الاحتلال خيمةً بجوارنا وأًصبت مع غزل بشظايا. ولم يتوقف الأمر هنا، فقد تبعَ ذلك إصابتها بصدمةٍ نفسية، ناهيك عن تشنجات متكررة وزيادة في عدد نبضات القلب".

"دبّت الحياة في طفلتي من جديد، وأصبحت منفتحةً على الآخرين، تذهب بحماس مع صديقاتها للتدريب. يكفيني أنها وضعت نصب عينيها طموحاً نأمل أن تحققه".

مرَّ شهران، وأجبرهم الاحتلال مرةً أخرى على النزوح جنوباً، وكانت فرصة غزل سانحة لتعود مجدداً للتدريب على الملاكمة، وسرعان ما عادت البسمة إلى وجهها. تروي لنا الجزء المشرق من القصة: "دبّت الحياة في طفلتي من جديد، وأصبحت منفتحةً على الآخرين، تذهب بحماس مع صديقاتها للتدريب. يكفيني أنها وضعت نصب عينيها طموحاً نأمل أن تحققه".

وهنا تتدخل غزل وتلتقط الهاتف من أمها لتخبرنا بصوتٍ يدعو للتفاؤل: "نفسي أصير بطلة، وأشارك في البطولات وأرفع اسم بلادي فلسطين أمام كل العالم".

دون مبالغة "علاجٌ نفسي"

لم تتوقع إيمان عودة أن تعثر على متنفسٍ للتفريغ النفسي تحت وطأة الغارات الإسرائيلية، بممارسة الملاكمة التي اتخذت من لكماتها "صرخات رفضٍ مدّوية" في وجه واقع مأساوي، حسب تعبيرها.

تتحدث إيمان لـ"نوى" وهي تقوم بتمارين الإحماء: "بدأتُ التدريب حين نزحت لـ "مواصي خان يونس" في الأيام الأولى للحرب، وبأقل الإمكانيات، حيث لم يكن يتوفر مع المدرب أدواتٍ ولا مُعدّات".

"لا نملك صالةً تتيح لنا التدريب بكل أريحية، وكذلك لا يتوفر اللباس الخاص بهذه الرياضة، حتى أبسط الأدوات مثل القفّازات لا تتوفر أحياناً".

لم تكن الخيمة يوماً مُهيأةً للعيش الآدمي، فكيف بتدريب فتياتٍ لا تتجاوز أعمارهن سبعة عشر عاماً مثل إيمان. سألناها عن الظروف التي يتدّربن بها، فأجابت: "لا نملك صالةً تتيح لنا التدريب بكل أريحية، وكذلك لا يتوفر اللباس الخاص بهذه الرياضة، حتى أبسط الأدوات مثل القفّازات لا تتوفر أحياناً". ومع هذا، لم تُثنِ تلك المعوقات إيمان وزميلاتها عن مواصلة التدريب، الذي أصبح يمثل لهن "النجاة الوحيدة" وسط حربٍ أبادت الحجر والبشر.

وثمّة سببٍ وجيه يدعوها للتمسك بالتدريب، موضحةً: "كل طاقتي السلبية أفرغها بالتدريب. مررتُ بلحظاتٍ كدت  أفقد عقلي بعد استشهاد أقاربي ونزوحي عدة مرات، لقد كانت الملاكمة علاجي النفسي دون مبالغة".

يوماً بعد آخر، تكبر أحلام إيمان إذ تتطلع للمشاركة في الأولمبيات، ويملؤها الفخر قائلةً: "نحن فتيات غزة نتدرّب في أجواء الموت والدمار والفقد، ننتظر أن يبتسم الحظ ويُسمح لنا بالسفر، حتى نشارك في بطولات العالم".

أثرٌ فاق التوقعات

منذ سبعة عشر عاماً، اقتحم الكابتن أسامة أيوب عالَماً مختلفاً، فقبل الحرب كان يمتلك نادياً في مدينة غزة لتدريب الفتيات والفتية على رياضة الملاكمة.

يُسكت شعورَ الحسرة بابتسامةٍ ترسم المشهد: "كانت الحياة داخل النادي وردية، جُلّها نجاحاتٌ وانتصارات من قلب غزة المحاصرة، إلى أن جاء تتار المغول ونسفوا الأحلام وأبادوها، وكأنها شيئاً لم يكن". لقد حطّت على رأسه كارثةٌ كبلّت يديه، وظن أنه لن يقوم له بعدها قائمة.

 "عندما اجتاحَ جيش الاحتلال مدينة غزة، اقتحم النادي وحرقه كاملاً، فلم يبق أدوات ولا معدّات ولا حتى أثراً للشهادات التي حصدناها"، يواصل المدرب حديثه.

حين عرفَ بما حدث، نخرَ في قلبه وجعٌ لا يوصف، متسائلاً "أيُعقل أن كل ما بنَيته ذهب بلمح البصر؟"، وبعد وقتٍ قصير كفكفَ دموع القهر، وقرر أن تكون البداية من هنا: خيمةٌ في المواصي، فعندما نزحَ إلى مدينة رفح، انطلقَ في تنفيذ مبادراته داخل مراكز الإيواء لتدريب جميع الفئات العمرية.

الخطوة الأولى بدأت بتدريب الأطفال من كلا الجنسين في جامعة القدس المفتوحة في رفح، في محاولةٍ للتفريغ النفسي وسط هدير الطائرات الحربية والمدافع. صوت أيوب في هذا الجزء من الحديث بدا سعيداً: "لم أتخيل أن يكون التفريغ النفسي إيجابياً لهذا الحد، وكأنه جاء للأطفال في الوقت المناسب، لقد كان إقبالُهم كبيراً جداً".

وفي كل مرة يتأكد من أهمية ما يفعله، يشرح لنا أكثر: "لم يمر علينا يومٌ واحد عادي منذ نشوب الحرب، فمشاهد الموت والدمار تعلق في ذاكرتنا خاصة في أذهان الأطفال، وهذا ما دفعني تحديداً للمضي قُدماً في تدريبهم".

بعد نزوحه إلى مواصي خانيونس، أنشأَ خيمةً لتدريب الفتيات بأقل الإمكانيات. يصف لنا الأجواء: "أخذتُ أدربهنّ بيدي، فالقفازات حينها كانت معدومة، واستعنت بأكياسٍ محشوة بالرمل، وفي مكانٍ مكشوف لا يحمي خصوصيتهن. حتى أواني الطبخ ووسائد النوم نفعتني في تدريبهن".

ويرأف بحال معظم الفتيات المشاركات اللواتي فقدنَّ أحبابهن، ما جعل التدريب "فرصةً عظيمة للتفريغ عن طاقة الغضب والحزن داخلهن" تبعاً لقوله، مشيراً إلى أنه لمسَ تطوراً في شخصية كلٍ منهن، وأصبح حلم التتويج بالبطولات هدفاً مشتركاً لهن.

يؤكد الكابتن أيوب أن هؤلاء الفتيات يطمحن لآفاقٍ أرحب، ويعلّقن آمالاً على فرصة السفر عبر معبر رفح للمشاركة في البطولات الدولية.

أخيراً، يؤكد الكابتن أيوب أن هؤلاء الفتيات يطمحن لآفاقٍ أرحب، ويعلّقن آمالاً على فرصة السفر عبر معبر رفح للمشاركة في البطولات الدولية. موجهاً رسالة للعالم: "من حق فتيات غزة المشاركة في الأولمبيات الدولية، والتأهل ورفع اسم فلسطين عالياً في كل المحافل".

 قد نستخف بالأفكار التي لربما تبدو صغيرة أمام واقعٍ مستشرس، لكن لو جربنا تطبيقها مهما كانت الظروف معقدة، فمن الوارد أن تُحدث النتائج فارقاً في حياة كثيرين، تماماً كفكرة خيمة الملاكمة للفتيات اللاتي أصبحن أقوى من جزعٍ وخوف وحُنق، أو على الأقل أقدرَ على التعامل مع تلك المشاعر وتهذيبها.