الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
مع حلول شهر رمضان المبارك، تزدحم رفوف المتاجر بعبوات التمور المزّينة بصور المسجد الأقصى والزخارف الإسلامية والأهلَّة، في مشهدٍ يوحي بالقدسية والأصالة. لكن خلف هذه الواجهة الودودة، تكمن منظومة تضليلٍ معقدة تهدف إلى تسويق تمور المستوطنات الإسرائيلية تحت مسمياتٍ عربية وفلسطينية، مستغلةً فجواتٍ رقابية وأساليب تحايل تقنية لتجاوز حملات المقاطعة الدولية.
تغيير بلد المنشأ
تضع لغة الأرقام علامات استفهام كبرى حول مصادر التمور المُصدّرة من المنطقة؛ فوفقاً لبيانات مراقبي الصناعة وحركات المقاطعة، لا يتجاوز الإنتاج الفلسطيني المعلن في الضفة الغربية نحو 8800 طن سنوياً، في حين تتخطى الصادرات التي تحمل وسماً فلسطينياً حاجز 35 ألف طن.
هذا الفارق الشاسع، الذي لا يمكن تفسيره بالقدرات الزراعية المتاحة، يفتح الباب أمام حقيقة إعادة التصدير؛ حيث تُنقل تمور المستوطنات إلى مراكز وسيطة لتعيد تعبئتها بأسماء عامة ومضلِّلة تُكتب على الملصقات الخارجية للصناديق، على سبيل المثال: منتجات حوض المتوسط أو وادي الأردن أو الشرق الأوسط وغيرها، ومع تغيير بلد المنشأ يسهل إدخالها لأسواقٍ تفرض قيودًا صارمة على منتجات المستوطنات.

وحسب ما تورده تقارير حركة المقاطعة العالمية، لم يتوقف التزوير عند حدود الملصق؛ بل أُعيدت صياغة الهوية البصرية كاملةً لصندوق التمر، بواسطة تصاميم جذابة وُضعت لتحاكي المقدسات والتراث الفلسطيني والرموز الدينية، وكلماتٍ كُتبت بخطوط عربية، وملصقاتٍ حملت عبارة "عُبّئ في فلسطين"، إلى جانب التلاعب بـ"الباركود"- الرمز الشريطي الذي يُستخدم لتخزين معلوماتٍ محددة- لإرباك أدوات المقاطعة الذكية.
مستوطنةٌ تزرع، ومُصدِّر يبيع للخارج، ومستوردٌ يُوزّع، لينتهي التغليف بملصقٍ محلي أو ماركة المتجر. وجاء أيضاً في تقارير "حركة المقاطعة العالمية" أنه وبعد "اتفاقيات أبراهام" تسلّلت تمورٌ إسرائيلية إلى دول عربية على أنها مُعبّأة في الأغوار الأردنية أو أريحا، وبشهادات منشأ فلسطينية أو أردنية، لتجتاز الرفض الشعبي للدول الموقّعة على الاتفاقية.
المنتجات الإسرائيلية تُعاد تعبئتها في كراتين خاصة، حاملةً أسماء شركات التعبئة، ومنها: مهادرين، هديكلايم، تمر الملك سليمان، ستار ديتس، مدجول، وغيرها.
يقول إبراهيم دعيق رئيس مجلس النخيل والتمر الفلسطيني إن المنتجات الإسرائيلية تُعاد تعبئتها في بعض الأسواق في كراتين خاصة، حاملةً أسماء شركات التعبئة بدلاً من أسماء إسرائيلية، منها: مهادرين، هديكلايم، تمر الملك سليمان، ستار ديتس، مدجول، جاليلي إكسبور، جوردن ريف، كارميل أجريكوكس، وغيرها.
علماً أن "هاديكلايم" وحدها، وفقاً لتقارير، تُصدّر تسعة أصناف تحت مسمياتٍ مختلفة للالتفاف على المقاطعة.
وأكد دعيق أن المنتج الفلسطيني الأصيل يخضع لرقابة صارمة وجردٍ ميداني قبل منح شهادات المنشأ.
الشيوخي: "التمور الفلسطينية تخضع لجرد الكميات في كل مزرعة، وإصدار شهادات منشأ وشهادةٍ صحية قبل التصدير".
وفي تصريحٍ لاتحاد جمعيات حماية المستهلك، حذَّر رئيسه عزمي الشيوخي من أسلوبٍ آخر لتجاوز الرقابة يتمثل في عمليات تهريبٍ وتزوير تتم في مراكز تعبئة غير مُرّخصة، تُخلط فيها التمور الإسرائيلية مع أخرى فلسطينية أصيلة، خصوصًا مع ارتفاع الطلب عليها في شهر رمضان، إضافة إلى ماركاتٍ تحمل أسماءً توحي بالقدسية لكسر الرفض الشعبي.
ويلفت الشيوخي إلى أن التمور الفلسطينية تخضع لجرد الكميات في كل مزرعة، وإصدار شهادات منشأ وشهادةٍ صحية قبل التصدير.
طريقة التمييز بين التَمرْين
للتمييز بين التمور، يُنصح بمسح "الباركود" والتحقق من بلد المنشأ، هذا وتحمل المنتجات الفلسطينية المخصّصة للتصدير بيانات الشركات وإجراءات فنية تؤكد منشأها.
وبالعودة مجدداً لدعيق، يفيد أن المنتج الفلسطيني يُسوَّق عبر باركود أردني يبدأ بـــ 625 مع عبارة توضح اسم الشركة، إضافة إلى عبارة "أُنتج في فلسطين" ووجود علم فلسطين على العلبة، بينما يبدأ الباركود "الإسرائيلي" غالبًا بـ ـ729 وأحيانًا بـ 871.
المنتج الفلسطيني يُسوَّق عبر باركود أردني يبدأ بـــ 625 مع عبارة توضح اسم الشركة، إضافة إلى عبارة "أُنتج في فلسطين" ووجود علم فلسطين على العلبة، بينما يبدأ الباركود "الإسرائيلي" غالبًا بـ ـ729 وأحيانًا بـ 871.
التقت "شبكة نوى" المزارع أبو يحيى العنوز وهو من قرية الجفتلك، ليخبرنا عن أهم الفروق الواضحة بين التمور الفلسطينية وتلك المنتَجة في المستوطنات: "نروي مَزارعنا بمياه آبارٍ عذبة صالحة للشرب، بينما تُسقى تمور المستوطنات غالبًا بمياه صرفٍ صحي معالجة؛ ما يترك فرقًا واضحًا في اللون والرائحة وشكل النواة، إذ تكون نواة التمر الفلسطيني فاتحةً ونقية، بينما تبدو خطوطٌ داكنة على نواة تمور المستوطنات.
أما الفرق الثاني، حسبما يضيف العنوز، أن صلاحية حبة التمر الفلسطينية تستمر لفترات طويلة دون أن يصيبها التسوس والدود، على عكس تمرة المستوطنات التي تكون عرضةً للتسوس السريع في حال حفظها في درجة حرارة الجو العادية.
من "المجهول" إلى "المدجول"
تعيد حركة المقاطعة العالمية (BDS) تذكير المستهلكين بأن هذه التمور هي في الأصل سلالاتٌ مسروقة من المغرب والعراق وفلسطين، حيث نقلت الحركة الصهيونية فسائلها إلى مستعمراتها إبان الانتداب البريطاني، وبدأت في زراعتها على امتداد وادي الأردن حتى البحر الميت.
حتى إن اسم تمر "المجهول" العربي الشهير حُرّف إلى "المدجول" لإخفاء أصوله العربية، بعد إخضاعه لتعديلات جينية، ليصبح "نجم التمور" الذي يسيطر الاحتلال اليوم على 75 في المئة من سوقه العالمي، بإنتاجٍ يصل إلى ثلاثين ألف طن.
في حين يؤكد محمد صوافطة ممثل اتحاد مُصدّري التمور، أن المنتجات الفلسطينية المخصصة للتصدير تكون مختومة، وتحمل بيانات الشركات المصدِّرة والمستورِدة، مع استكمال الإجراءات الفنية التي تؤكد منشأها الفلسطيني. ويشير إلى أن التمور المنتَجة في منطقة حوض البحر الميت، سواء كان فلسطينياً أو إنتاج مستوطنات، قد يصعب التمييز بينها في الشكل بسبب تشابه الظروف المناخية.
ما بين فجوة الأرقام وإعادة التصدير من جهة، و"غسل" الهوية البصرية من جهة أخرى، تتسلّل تمور المستوطنات إلى موائد الإفطار الرمضانية. ومع تصاعد حملات المقاطعة يبقى الوعي الاستهلاكي بالتحقق من المَنشأ والبيانات الفنية يتجاوز كونه سلوكاً اقتصادياً، ليصبح أداةً أساسية تكشف الخديعة وتحمي الحق الفلسطيني.
