غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل أذان المغرب بدقائق، يجلس الأربعيني مصعب مدوخ، إلى مائدة صغيرة في منزله بحيّ الصبرة جنوبي مدينة غزة.
المائدة تتّسع لأكثر من شخص، لكنها اليوم تحمل وحدته وحسب: صحن تمر، وكوب ماء، وطبق شوربة بسيط، ومقعدٌ مقابل لا يجلس عليه أحد. فراغٌ كثيف، يشبه الغياب الذي استقرّ في قلبه ولم يغادر.
يرفع بصره نحو الحائط، حيث تتدلّى صورة كبيرة لزوجته وأطفاله. يحدّق فيها طويلًا، كأنّه ينتظر أن تتحرّك، أن يخرج منها صوت بشير وهو يسأل عن موعد الأذان، أو ضحكة سهير التي كانت تسبق الجميع إلى المائدة.
تمرّ لحظة صمتٍ ثقيلة، يقطعُها صوت الأذان من مسجدٍ قريب، فيهمس: "اللهم ارحمهم"، ثم يمدّ يده إلى التمر، ببطءٍ يشبه الخوف من إيقاظ الذاكرة.
مصعب ليس مجرد أبٍ فقد أبناءه؛ هو أسيرٌ محرَّر، عاد من غيابٍ قاسٍ، ليكتشف أن الفقد كان أسرع منه، وأن البيت الذي اشتاق إليه لم ينتظره.
في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2024م، استُهدف منزل العائلة خلال توغّلٍ للقوات الإسرائيلية في منطقة تلّ الهوى.
كان قد غادر قبل دقائق فقط، يبحث عن مكانٍ أكثر أمانًا لأسرته مع اشتداد القصف.. دقائق قليلة فصلت بين خروجه وسقوط الصاروخ الذي دمّر البيت بمن فيه، كما يروي.
في تلك اللحظة، استشهدت زوجته وأطفاله الخمسة: منّة الله (16 عامًا)، وبشير (14 عامًا)، ومحمد (6 أعوام)، وسهير (7 أعوام)، وحمزة (4 أعوام)، إضافة إلى أربعة عشر فردًا آخرين من العائلة.
تحوّل البيت الممتلئ بالحياة إلى ركام، وتحول الأب إلى شاهدٍ وحيد على حكاية لم تكتمل.
يقول مصعب، بينما تمرّ أصابعه على حافة الطبق: "كنت أحلم أن أخرج من الأسر لأجلس معهم على مائدة واحدة". حلمٌ رافقه طويلًا خلف القضبان، وانكسر قبل أن يرى النور.
أكثر ما كان يؤلمني لم يكن الجوع، بل تلك اللحظة التي أجلس فيها ممسكًا بقطعة خبز، فتتزاحم صور أطفالي أمام عيني دفعة واحدة (..) كنت أراهم حولي، ثم يصرخ الجندي، فينقطع المشهد".
في الثامن عشر من مارس/آذار 2024م، اعتُقل مصعب من داخل مجمّع الشفاء الطبي خلال اقتحامه، وقضى عامًا وثمانية أشهر في السجن.
مرّ عليه رمضانان هناك، موائد بلا روح، ووجبات تتأخر عمدًا، وغرف تُقتحم فجأة. يخبرنا: "أكثر ما كان يؤلمني لم يكن الجوع، بل تلك اللحظة التي أجلس فيها ممسكًا بقطعة خبز، فتتزاحم صور أطفالي أمام عيني دفعة واحدة"، متابعًا بصوتٍ خافت: "كنت أراهم حولي، ثم يصرخ الجندي، فينقطع المشهد".
أُفرج عنه في الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025م. خرج حاملاً شوقه الكبير، لكنه عاد إلى بيتٍ مدمّر، بلا أصوات، بلا ضحكات، بلا انتظار.
"في رمضانات ما قبل الإبادة، كانت المائدة تبدأ بالانتظار. كان بشير يتأخر أحيانًا بضع دقائق، فتظل العائلة ممسكة عن الطعام حتى يعود. اليوم، لا أحد يتأخر، ولا أحد يعود".
في رمضانات ما قبل الإبادة، كانت المائدة تبدأ بالانتظار. كان بشير يتأخر أحيانًا بضع دقائق، فتظل العائلة ممسكة عن الطعام حتى يعود. يقول مصعب، بينما تلمع في عينيه دمعة: "كنا لا نبدأ بدونه، أمّا اليوم، فلا أحد يتأخر، ولا أحد يعود".
كان أطفاله يعشقون "الفتّة" باللحم أو الدجاج، وكانت زوجته تحرص على إعدادها في أول أيام الشهر. منذ استشهادهم، لم يقترب منها.
يقول: "رائحتها وحدها كفيلة بإعادة المشهد كاملًا: ضحكاتهم، دعاؤهم الجماعي، تنافسهم على القطع المقرمشة"، مردفًا بحرقة: "أفضّل أن تبقى الذكرى في قلبي، لا في طبقي".
في زاوية الغرفة، أريكة صغيرة اعتاد الجلوس عليها بعد الإفطار، محاطًا بأطفاله. اليوم، يجلس عليها وحده، يسند ظهره إلى الجدار، ويرفع الصورة بين يديه. يحدّثهم كأنهم يسمعونه؛ يخبرهم عن يومه، عن صموده، عن اشتياقه الذي لا يهدأ.
الحزن يملأ المكان، حزنٌ هادئ، يشبه ظلًا لا يفارقه، ومع ذلك، يتمسّك مصعب بخيطٍ رفيع من الصبر، ويقول: "ذكرياتهم، على قسوتها، تمنحني قوة للاستمرار (..) هم أمانة في قلبي".
أحيانًا يبتسم وهو يستعيد تفاصيلهم الصغيرة، وأحيانًا يغلبه البكاء، فيمسح دموعه سريعًا، كأن أحدهم قد يراه.
الحزن يملأ المكان، لكنه ليس حزنًا صاخبًا، هو حزن هادئ، مقيم، يشبه ظلًا لا يفارقه، ومع ذلك، يتمسّك مصعب بخيطٍ رفيع من الصبر، ويقول: "ذكرياتهم، على قسوتها، تمنحني قوة للاستمرار (..) هم أمانة في قلبي".
رمضان، شهر اللمّة والدفء العائلي، صار عنده امتحانًا يوميًا للصبر. كل تفصيل صغير يستدعيهم: صوت الملاعق، ورائحة الخبز، وحتى الدعاء قبل الإفطار. ومع ذلك، يصرّ على الجلوس إلى المائدة في موعدها، كأن في ذلك اعترافًا بأن الحياة، مهما انكسرت، تمضي.
عندما ينتهي مصعب من إفطاره، لا يرفع الصحون فورًا. يتركها دقائق إضافية، كأن المقاعد الفارغة قد تمتلئ فجأة.
عندما ينتهي مصعب من إفطاره، لا يرفع الصحون فورًا. يتركها دقائق إضافية، كأن المقاعد الفارغة قد تمتلئ فجأة.
ينظر مرة أخيرة إلى الصورة، ويتمتم: "لقاؤنا في الجنة.. أنا علي يقين بذلك".
بين حلم الاجتماع الذي عاشه في زنزانته، وواقع الوحدة الذي يعيشه اليوم، يقف مصعب شاهدًا على قصة فقدٍ تختصر وجع غزة.
رجلٌ عاد من الأسر، ليجد نفسه أسير الذكريات، يجلس كل مساء إلى مائدة لا يشاركه فيها أحد، سوى صورٍ معلّقة، وقلبٍ يتعلّم الصبر من جديد.
