كرامةُ الفلسطينيين تُهدر على "جسر الأردن"
تاريخ النشر : 2026-03-01 10:04

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قبل أيامٍ، عاد محمد زيد من الأردن حيث كان في زيارةٍ لوالدته المريضة. وقد اضطر إلى متابعة منصة التسجيل لعدة أيام قبل أن يتسنى له حجز موعدٍ للعودة، فالتسجيل الإلكتروني ـالذي يُعرف بـ "المنصة" كان في معظم الأحيان ممتلئاً عن آخره أو مغلقاً، كما يقول.

 ولا يحتمل قرار السفر أي مجازفة عند محمد، لذا لم يُحدد موعده إلا بعد تأمين موعد العودة مسبقًا، نظرًا لارتباطه بعمله، ولتخوفه من الوقوع تحت رحمة "المنصة". يقول: "ينتظر على جسر الأردن كثيرٌ من الناس لساعاتٍ طويلة للمرور، من نساء وأطفال وكبار سن وطلبة ومرضى، في أجواءٍ تسودها الفوضى والمعاناة وامتهان الكرامة للمسافرين الفلسطينيين".

ويضيف: "قبل السابعة صباحاً كنت واقفاً أمام بوابة الدخول عند الأردنيين. استغرقتُ وقتاً طويلاً في المرور واجتياز الإجراءات الأمنية والتفتيش والفحص، إلى أن تمكنت من الوصول لاستراحة أريحا في الساعة الحادية عشرة ونصف ظهرًا"، متسائلاً عما سيفعله المسافرون في الأعياد وعطلة الصيف، حين تتدفق أعداد الزوار القادمين إلى الضفة الغربية.

ويُعدّ معبر الكرامة (المعروف أيضًا بجسر الملك حسين) المنفذ البري الوحيد تقريبًا للفلسطينيين في الضفة الغربية إلى العالم الخارجي عبر الأردن.

وعلى الرغم من إدارته التشغيلية المدنية من الجانبين الأردني والفلسطيني، فإن السيطرة الفعلية على حركة العبور تبقى بيد "إسرائيل"، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، حيث تتحكم بكامل الإجراءات الأمنية في المعبر، بما يشمل التفتيش، والتدقيق الأمني، وتحديد قوائم المسموح لهم بالسفر أو الممنوعين منه، إضافة إلى تنظيم ساعات العمل وحجم الحركة اليومية.

وبموجب هذا الواقع، تملك حكومة الاحتلال صلاحية فتح المعبر أو إغلاقه جزئيًا أو كليًا في أي وقت، دون التزام بتقديم مبررات واضحة، سواء لدواعٍ أمنية معلنة أو في سياق التصعيدات العسكرية والسياسية.

لا يعمل معبر الكرامة كمرفق حدودي اعتيادي، بل كأداة ضغط تمكّن "إسرائيل" من إدارة حركة الفلسطينيين والتحكم بإيقاع حياتهم اليومية، في واحدة من أكثر نقاط العبور حساسية.

وغالبًا ما ينعكس هذا التحكم على حياة الفلسطينيين بشكل مباشر، إذ يؤدي الإغلاق المفاجئ أو تقليص ساعات العمل إلى تعطّل سفر المرضى، وتأخير الطلبة، وإرباك حركة المسافرين والتجارة، ما يجعل المعبر مساحة حساسة تتقاطع فيها الحاجة الإنسانية مع أدوات السيطرة.

وبذلك، لا يعمل معبر الكرامة كمرفق حدودي اعتيادي، بل كأداة ضغط تمكّن "إسرائيل" من إدارة حركة الفلسطينيين والتحكم بإيقاع حياتهم اليومية، في واحدة من أكثر نقاط العبور حساسية في الأراضي الفلسطينية.

وفي الآونة الأخيرة تفاقمت معاناة المسافرين بسبب تعقيدات نظام التسجيل الإلكتروني، الذي أصبح شرطًا أساسيًا للعبور. وبموجب توجيهات إدارة أمن الجسور، يُمنع أي مسافر من الدخول دون حجزٍ إلكتروني مسبق، حتى وإن كان مستوفيًا لجميع متطلبات السفر الأخرى، ما يجبر المسافرين أحيانًا للجوء لخدمة "VIP" مقابل مبالغ مالية باهظة.

وكانت إدارة أمن الجسور الأردنية قد أعلنت بتاريخ 25/6/2025 إطلاقَ "منصة الحجز المسبق" بواسطة شركة "جت" لنقل الركاب، بهدف تنظيم حركة المسافرين المغادرين للضفة الغربية، لكن شكاوى عديدة تحدثت عن ممارساتٍ غير قانونية لوسطاء (سماسرة)، حول شراء تذاكر بأعدادٍ كبيرة إلكترونيًا وإعادة بيعها بأسعار مضاعفة.

انتهاك لمبدأ حرية التنقل

تستعيد المعلمة المتقاعدة أميرة داود من محافظة طولكرم، تفاصيل مرورها عبر جسر الأردن، عائدةً من أداء مناسك العمرة، لتقول لـ"نوى": "كانت الرحلة روحانية وممتعة، إلى أن سلبَ المرور عبر الجسر كل إحساسٍ بالطمأنينة. ومع أن شركة العمرة حجزت لنا منصة، إلا أننا أمضينا ساعاتٍ طويلة داخل الحافلة في انتظارٍ مرهق للسماح لنا بالعبور، ولحق ذلك تفتيشٌ قاسٍ ومهين، ومعاملةٌ تفتقر إلى الإنسانية من الجنود" الإسرائيليين" في المعبر، لقد بدا جلياً أنهم يعاقبوننا على عودتنا".

وبصوت يفيض حسرة، تصف رحلة العودة بــ "الاختبار القاسي للصبر والكرامة"، ما تركَ أثرًا بالغًا في نفسها، "وكأن الجسر وُجد ليكون مساحةً للإذلال؛ لا للعبور"، حسب رأيها.

يقول حلمي الأعرج، مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية في رام الله، لـ "شبكة نوى" إن الأزمة المتفاقمة على جسر الأردن تعود إلى سياسات الاحتلال، الذي قلَّص ساعات عمل الجسر منذ السابع من أكتوبر 2023، بحيث لا يفتح المجال لعبور المسافرين الفلسطينيين سوى لأربع أو خمس ساعاتٍ يوميًا، مع فرض إغلاقٍ كامل يوم السبت، وتقليصٍ إضافي لساعات العمل يوم الجمعة.

وأوضح الأعرج أن هذا التقليص المتعمد في ساعات الدوام يتسبب بتكدّس أعدادٍ كبيرة، ويؤدي إلى ضغطٍ هائل في المعبر، وبالتالي تتعطل مصالح المسافرين الحياتية والإنسانية، مشيراً إلى أن الإجراءات الإسرائيلية المشددة، بما تتضمنه من تفتيشٍ مُطوّل وتدقيقٍ أمني صارم، تُسهم بالدرجة الأولى في إبطاء حركة العبور وتعميق الأزمة، وهذا يُعد انتهاكاً واضحاً لمبدأ حرية التنقل.

عقوبةٌ جماعية محظورة

تقع المسؤولية التنظيمية والإدارية لإدارة حركة المسافرين على عاتق السلطات الفلسطينية والأردنية، بتنظيمها الأدوار، وتوفير الطواقم البشرية الكافية، وبذل الجهد لتسهيل الإجراءات بالحد الأدنى.

غير أن الأعرج، شدّد على أن هذه "المسؤولية الإجرائية" لا تُسقط بأي حالٍ من الأحوال "المسؤولية القانونية والسياسية" للاحتلال الإسرائيلي، باعتباره الجهة التي تفرض القيود وتتحكم بحركة العبور. داعياً إلى ضرورة التنسيق التام بين الجانبين الفلسطيني والأردني، وتحميل الاحتلال المسؤولية الأساسية عن إعاقة حركة تنقل الفلسطينيين، وعدم الاكتفاء بإدارة النتائج المترتبة على هذه السياسات دون تسمية مصدرها الحقّ.

أي ادعاءات أو ذرائع أمنية، حتى وإن كانت محدودة، تُستخدم حُجةً لإغلاقٍ فوري للجسر، ما يؤدي إلى تفاقم معاناة المسافرين العالقين لساعاتٍ أو أيام.

وفي السياق، عدَّ الإصرار على إبقاء الكرة في ملعب الاحتلال "واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا"، ليتحمل تبعات سياساته التي تنتهك حق الفلسطينيين في حرية التنقل، وتجعل من سفرهم معاناةً يومية.

وفيما يتعلق بطبيعة الإغلاقات، يلفت الحقوقي إلى أن القيود المفروضة تشمل حركتي الدخول والخروج على حدٍ سواء، ولا تقتصر على اتجاه واحد. وعلاوةً على ما سبق، أي ادعاءات أو ذرائع أمنية، حتى وإن كانت محدودة، تُستخدم حُجةً لإغلاقٍ فوري للجسر، ما يؤدي إلى تفاقم معاناة المسافرين العالقين لساعاتٍ أو أيام، يقول.

وشهد جسر الأردن في محطاتٍ متعددة إغلاقات ٍكاملة أمام الفلسطينيين من الجهتين، كما حدث في السابع من أكتوبر، وفي عام 2014، وكذلك فترات الانتفاضتين، إذ عُدّت هذه الإغلاقات أداةً من أدوات العقاب الجماعي، واستمرت أحيانًا لفترات زمنية طويلة، تبعاً لكلامه.

ممارسات الاحتلال في جسر الأردن تندرج ضمن إطار "العقوبات الجماعية المحظورة" بموجب القانون الدولي الإنساني، وتَمسّ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية للفلسطينيين.

وفي ختام حديثه، يؤكد أن ممارسات الاحتلال في جسر الأردن تندرج ضمن إطار "العقوبات الجماعية المحظورة" بموجب القانون الدولي الإنساني، وتَمسّ مباشرةً الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية للفلسطينيين، إضافةً إلى كونها انتهاكًا صريحًا لالتزامات الاحتلال بموجب اتفاقيات جنيف، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وغيرها من اتفاقيات حقوق الإنسان ذات الصلة.

وفي سياقٍ متصل، تواصلت "نوى" مع وليد غنّام، نائب مدير المعابر، للاستفسار عن إجراءات السلطة الفلسطينية للتخفيف من معاناة المسافرين. وبدوره، أفاد أن هذا الملف يقع في دائرة "الاختصاص الأردني"، وأن هنالك متابعة من رئيس الهيئة العامة الفلسطينية التابعة لوزارة الداخلية، بهدف تحسين الأوضاع والعمل على تسهيل مرور الفلسطينيين بأقل قدرٍ ممكن من المعاناة، في ظل القيود المفروضة.

إذن، لا تقتصر معاناة الفلسطينيين على جسر الأردن في ازدحامٍ عارض أو خللٍ إداري عابر، بل تمتد إلى واقعٍ معقد من القيود والسياسات التي خلقت "قطعةً من العذاب" يعلق فيها المسافر، فيما تغيب الحلول التي تُنهي الأزمة جذريًا.