الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في قلب بيت لحم، حيث تتجاور الحجارة العتيقة مع أسئلة الحاضر، تلمع حكاية هنادي هادية بوصفها خروجًا هادئًا عن الصورة النمطية، وكسرًا ناعمًا لجدارٍ اعتاد أن يحاصر أحلام النساء.
لم تكن هنادي تبحث عن استثناء، بل عن مساحة تشبهها؛ مساحة تمارس فيها شغفها بلا اعتذار، وتحوّل ما تحب إلى عملٍ يليق بها. الصبية الفلسطينية ذات الستة والثلاثين عامًا، اقتحمت عالمًا لطالما صُنّف حكرًا على الرجال، وافتتحت قبل عامين مشروعها الخاص لغسيل وتجهيز السيارات تحت اسم "كاندي كار واش".
لم يكن المشروع مجرد مغسلة سيارات، بل بيانًا عمليًا يقول إن "الشغف حين يُمنح فرصة، يصنع طريقه بنفسه".
لم يكن المشروع مجرد مغسلة سيارات، بل بيانًا عمليًا يقول إن "الشغف حين يُمنح فرصة، يصنع طريقه بنفسه". تقول هنادي عن علاقتها بالسيارات: "أحب العمل معها، هناك طاقة فيها، شيء غير عادي وجميل في الوقت ذاته".
كان هذا الشغف هو الشرارة الأولى، وهو ما دفعها إلى مواجهة التوقعات المسبقة التي ترسم للمرأة حدودًا ضيقة، لا سيما في المهن التي تتطلب جهدًا بدنيًا وتعاملًا مباشرًا مع المعدن والآلات.
لم تكن الطريق ممهدة بالكامل. فدخول امرأة إلى مرآب سيارات لم يمر دون دهشة أو تساؤل، لكن هنادي لم تكن وحدها. حظيت بدعمٍ واسع من دائرتها القريبة، وعلى رأسهم زوجها، الذي تصفه بأنه سندها الأول.
تضيف بثقة: "المرأة المتزوجة تحتاج إلى شريك يقف إلى جانبها، وقد كان زوجي هو داعمي الرئيسي". هذا الدعم العائلي، إلى جانب تشجيع الأصدقاء والزملاء، شكّل شبكة أمان سمحت لها بالاستمرار، حتى حين واجهت انتقادات مباشرة تشكك في ملاءمة هذا العمل للنساء.
ترد هنادي على تلك الانتقادات بسؤال بسيط، لكنه كاشف لازدواجية المعايير: "لماذا لا تُنتقد المحامية لعملها مع الرجال؟ أو الطبيبة؟ ما الذي يجعل هذا المجال مختلفًا؟".
بالنسبة لها، لا يحمل العمل هوية جندرية، بل تقاس قيمته بالالتزام والجودة والاحتراف. في "كاندي كار واش"، تقدم هنادي خدمات متكاملة تشمل غسيل السيارات، والتلميع، وتركيب الدهانات، وأعمال التفصيل الدقيق، وهي مهام تتطلب دقة عالية وجهدًا شاقًا في التعامل مع المعدات الثقيلة وتلبية توقعات الزبائن.
تصف طبيعة عملها بواقعية لا تخلو من الاعتزاز: "هذه الوظيفة ليست سهلة. أنت تعمل مع المعدن، ومع الناس، ومع النتائج.. يجب أن تسلّم السيارة وهي تبدو مثالية".
التعب يتلاشى، كما تقول، عند لحظة رضا الزبون، وتكمل: "عندما يغادر ويقول: أحسنتِ، أشعر أنني أسعد إنسانة".
اللافت أن هنادي لاحظت أن الدعم الأكبر جاءها من فئة الشباب، فيما أبدت النساء تشجيعًا مضاعفًا، خاصة أن وجود امرأة تدير المغسلة جعل المكان أكثر راحة للزبونات اللواتي قد يشعرن بالحرج في مرائب يديرها الرجال، ما خلق بيئة عمل مختلفة وأكثر ترحيبًا.
رسالتها إلى الشابات صريحة: "على المرأة أن تعتمد على نفسها (..) الحرية لا تُمنح بلا ثمن. من دون تحدٍ، لا توجد حرية، ومن دون حرية، لا يوجد عمل".
تؤمن هنادي بأن الاعتماد على الذات ليس خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية وشح الفرص في المجتمع الفلسطيني.
رسالتها إلى الشابات واضحة وصريحة: "على المرأة أن تعتمد على نفسها"، مشيرةً إلى أن الحرية لا تُمنح بلا ثمن، "من دون تحدٍ، لا توجد حرية، ومن دون حرية، لا يوجد عمل".
اليوم، لم يعد مشروع هنادي مجرد مصدر رزق، بل تحوّل إلى علامة أمل وإلهام لنساء كثيرات يفكرن في طرق غير تقليدية لتحقيق ذواتهن.
تطمح هنادي إلى توسيع مشروعها، وربما تدريب فتيات أخريات على هذه المهنة، لتفتح بابًا جديدًا أمام المرأة الفلسطينية في مجالات غير معتادة، في حين تثبت قصتها أن الإرادة حين تقترن بالعزيمة، قادرة على كسر أعتى الحواجز، "فالمرأة تستطيع أن تنجح وتتميّز في أي مجال تختاره، حتى لو أصرّ المجتمع طويلًا على اعتباره حكرًا على الرجال" تختم.
