غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
توجّه المواطن زكريا الدنف يوم الجمعة إلى السوق في دير البلح وسط قطاع غزة، في محاولةٍ منه للعودة إلى عادته الأسبوعية في شراء المجمّدات لتأمين احتياجات أسرته الغذائية، إلا أن ما واجهه هذه المرة كان مختلفًا عمّا اعتاده في السابق، إذ فوجئ برائحةٍ غير مألوفة تنبعث من الدجاج المجمّد المعروض للبيع.
يقول الدنف لـ"شبكة نوى: "أشتري دائماً الدجاج من السوق نفسه، لكن الرائحة هذه المرة بدت غريبةً ومقلقة. لم تكن طبيعية على الإطلاق، ما جعلني أتردد في الشراء".
"صحة عائلتي أهم من أي شيء، أخشى عليهم من التسمم الغذائي، خاصة أننا نمر بظروفٍ صعبة، ولا يمكن المجازفة بشراء منتج يثير الشك، حتى لو قيل إنه خاضعٌ للرقابة".
فما كان منه إلا أن سارع إلى سؤال البائع عن سبب هذه الرائحة، ليجيبه الأخير بأن هذا الدجاج هو ما يصل إلى الأسواق عبر المعابر، ويُباع كما هو، مشيرًا إلى أن عددًا من المواطنين اشتروه دون أن يتقدموا بشكاوى، وأن وزارة الاقتصاد تُنفّذ حملاتٍ تفتيشية باستمرار.
ويضيف: "صحة عائلتي أهم من أي شيء، أخشى عليهم من التسمم الغذائي، خاصة أننا نمر بظروفٍ صعبة، ولا يمكن المجازفة بشراء منتج يثير الشك، حتى لو قيل إنه خاضعٌ للرقابة".
وبهذا، قرر الرجل العدول عن شراء اللحوم المجمدة والاكتفاء بشراء أطعمةٍ بديلة غير اللحوم، لا سيّما مع الانقطاع المتكرر للكهرباء، وتأثيره على سلامة تخزين الأغذية.
تذهب آية النباهين إلى السوق كل يوم خميس لشراء احتياجات أسرتها من السلع الغذائية الأساسية، غير أن هذه الرحلة التي يُفترض أن تكون روتينية، تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى مصدر قلقٍ دائم، بسبب ما تصفه بـ"غياب الطمأنينة" تجاه سلامة المنتجات.
وتخبرنا آية أنها فوجئت عند تسوقها، بوجود بعض المُسلّيات والحلوى المصنّعة محليًا التي تُباع دون أي تاريخ إنتاجٍ أو انتهاء، مما أثار الخوف في قلبها، خاصةً عندما يتعلق الأمر بصحة الأطفال، كما تقول.
ورغم ترددها، فهي أحياناً تجازف وتشتري هذه المنتجات أمام الخيارات المحدودة وارتفاع الأسعار.
وتزيد بالقول: "أشتري كمياتٍ بسيطة وأخزّن بعضها، لكن بعد أسبوعين فقط، أفاجئ أن بعضَ هذه الحلوى قد فسدت، وبالتالي أضطر للتخلص منها تماماً".
ولا يقتصر قلقها على المسليات فقط، بل يمتد ليشمل المجمدات والبيض المعروض في الأسواق، إذ تشير إلى غياب أي معلوماتٍ واضحة حول تاريخ الذبح أو مدة الصلاحية.
وتلفت إلى أن البيض المتوفر في الأسواق ليس "بلديًا" كما كان معروفًا قبل الحرب، ولا يحمل أي بياناتٍ توضح مدى صلاحيته، وهذا بحد ذاته "أمرٌ مخيف"، حسب رأيها.
صعوبة الفحص والمراقبة
بدوره، يؤكد د. محمد بربخ القائم بأعمال السياسات والتخطيط في وزارة الاقتصاد، أن إدخال المنتجات مجهولة المصدر إلى الأسواق "ممنوعٌ قانونياً"، إلا أن عدم وجود معابر تجارية مزودة بآليات الفحص والمراقبة، يجعل من الصعب اكتشافَ هذه المنتجات قبل دخولها السوق.
وأضاف بربخ في حديثه لـ"شبكة نوى" أن طواقم وزارة الاقتصاد، بالتعاون مع وزارة الصحة- الطب الوقائي- والبلديات، ومباحث التموين، تعمل جاهدةً على مراقبة الأسواق والمخازن والمستودعات والثلاجات.
"أتلفنا كمياتٍ من المجمدات، مثل الكبدة، لعدم مطابقتها لمعايير الصلاحية القانونية، فصلاحيتها كانت لعامٍ كامل، بينما يجب ألا تتجاوز ستة شهور".
علماً أن أي منتج لا يحتوي على "بطاقة بيان"، تفحصه لجنةٌ مختصة لتحدّد مدى صلاحيته للاستخدام الآدمي، على أن يُراقب تصريف المنتجات الصالحة، فيما تُتلف المنتجات غير الصالحة.
وتبعاً لقوله: "تركز وزارة الاقتصاد على منتجات مثل المُجمدات وزيت الزيتون وعجوة التمور، حيث تُراجع "بطاقة البيان" للتأكد من مطابقتها للمواصفات الفلسطينية"، مردفًا: "أتلفنا كمياتٍ من المجمدات، مثل الكبدة، لعدم مطابقتها لمعايير الصلاحية القانونية، فصلاحيتها كانت لعامٍ كامل، بينما يجب ألا تتجاوز ستة شهور".
وأيضًا، تتابع اللجنة المشتركة الصناعات المحلية، بتنظيم زيارات للمصانع والمعامل المحلية بغرض تقييم المنتجات، وتُصدر إنذاراتٍ وإخطاراتٍ للمخالفين، حسبما يذكر، مع الأخذ في الاعتبار خطورة المنتج في سلسلة الغذاء.
بضائع دون "بطاقة بيان"
بدوره، يرى أحمد أبو قمر المختص بالشأن الاقتصادي، أن أسواق غزة تمتلئ ببضائع تُعرض بلا بطاقة بيان، ودون تحديد بلد المنشأ أو تواريخ الإنتاج والانتهاء، ما يضع المستهلك أمام مخاطر صحية جسيمة، لتغدو عملية الشراء مجازفةً يومية.
ويأسف أبو قمر في حديثه لـ"شبكة نوى" لما أدت إليه الفوضى في السوق من فتح الأبواب أمام الغش التجاري، خاصةً في السلع الأساسية والحسّاسة مثل اللحوم والمجمدات وزيت الزيتون، الذي يُفترض أن يكون رمزاً للأمان الغذائي لا مصدر تهديدٍ للصحة.

ولا يبرّر للتاجر الذي يعمل في بيئة اقتصادية خانقة، بسبب ارتفاع تكاليف الاستيراد وتعقيدات التنسيقات وضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، ما يدفعه إلى اللجوء أحياناً إلى بضائع اقترب انتهاء صلاحيتها، ليكون "خياراً اضطرارياً" للبقاء في السوق.
ويحذّر هشام حسونة خبير التغذية والتثقيف الصحي من مخاطر بيع المجمدات واللحوم والدواجن في الأسواق المحلية دون بطاقة بيانٍ واضحة ومكتملة، مؤكدًا أن هذا يشكل مجازفة مباشرة بسلامة الغذاء من جهة، ومن جهة أخرى يهدد صحة المستهلكين.
وقال حسونة لـ"شبكة نوى" إن بطاقة البيان هي الأداة الوحيدة التي تسمح للمستهلك بالتحقق من سلامة المنتج، وتشمل معلومات أساسية مثل تاريخ الإنتاج والتجميد والانتهاء، ورقم الدفعة، وبلد المنشأ، واسم المستورد أو الجهة المسؤولة، إضافةً إلى الوزن الصافي وشروط الحفظ، وكذلك قائمة المكونات في مشتقات اللحوم.
"الدواجن واللحوم ترتبط بمخاطر تلوث عالية، ما يجعل الالتزام بالتبريد وبطاقة البيان أمرًا أساسيًا (..) تتبّع "رقم الدفعة" يضمن سحب المنتج بسرعة عند الاشتباه بتسمم".
ويكمن الخطر الأكبر في اللحوم والدواجن لعدة أسباب، والكلام له، منها سلسلة التبريد وعوامل شائعة، أبرزها أن الدواجن واللحوم ترتبط دوماً بمخاطر تلوث عالية مثل "السالمونيلا"، ما يجعل الالتزام بالتبريد وبطاقة البيان أمرًا أساسياً، كما أن تتبّع "رقم الدفعة" يضمن سحب المنتج بسرعة عند الاشتباه في حدوث تسمم غذائي، وتحديد المصدر.
وما ينطبق على المجمدات يشمل أيضًا الحلوى محلية الصنع، خصوصًا المُصنّعة منزليًا دون رقابةٍ أو بيانات كافية، ما يشكل خطراً على صحة الأطفال. وقد تؤدي إلى أعراضٍ مثل ألم البطن والإسهال والقيء، وفي حالاتٍ نادرة قد تُغسل المعدة.
