ديما وخالد على فراش المرض يئِنّان معاً
تاريخ النشر : 2026-02-24 09:52
الزوجان ديما وخالد قلجة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

بين خيوط الخيمة المهترئة في عمق مدينة غزة، لا تكتفي الرياح بنقل غبار الحرب، بل تحمل معها أنينَ جسدين تقاسما "الحلوة" يوماً، والآن يغرقان في "المرّ" حتى الثمالة. في مساحةٍ لا تتجاوز بضعة أمتار من القماش والنايلون، تدور رحى حربٍ من نوعٍ آخر، بطلاها ديما وخالد قلجة، وسلاحهما الوحيد "صبرٌ" باتَ هو الآخر يئّن من فِرط التحمل.

المرض يحتلّ جسدها

تبدأ الحكاية بـ "ديما"، المرأة التي كانت ترى منزلها مملكةً صغيرة، قبل أن تتحول حياتها إلى سلسلةٍ من الانهيارات بسبب المرض. وقد بدأت فصول مأساتها بضغط دمٍ جامح، كان يطرق أبوابَ رأسها بعنف، واصلاً إلى أرقامٍ مرعبة تُزهق وعيها وتُلقي بها في غيابة الإغماء. ولم يكن الارتفاع مجرد عَرَض عابر، بل نذيراً لشرٍّ استوطن غدتها "الكظرية".

رحلة العلاج التي بدأت في مصر باستئصال الورم، لم تكن سوى "استراحة محارب" قصيرة حسب تعبيرها، وما لبثَ أن أخذ "الكيماوي" ينهش جسدها، مُتوجاً قسوته بسقوط خصلات شعرها، لكنها عادت إلى غزة تحمل أملاً في التعافي.

ذلك الأمل وأدته الحرب، فالعجز الطبي اليوم كبير ومكان العملية القديم عادَ لذات الألم مجدداً، وكأن المرض يُعيد احتلالَ جسدها، أمام حصارٍ أُغلقت دونه أبواب المستشفيات في الخارج والداخل.

وتبيّن ديما أن الوجع لم يكتفِ بذلك، فقد اصطدمت بمشكلةٍ أخرى في النزوح، وهي "حساسية القمح"، حيث "الرغيف" هو سيد الموقف، وأمعاؤها لا تتحمل أي لقمة خبزٍ عادية، لما تسبّبه من تقرّحاتٍ تُدمي معدتها.

لا تتوقف مأساة ديما عند حدود المعدة أو القلب الذي يعاني "ارتجاعاً في الصمّام"، بل تمتد لتصل إلى "كهرباء الدماغ"، بتشنجات مفاجئة تضرب جسدها.

المؤسسات الإنسانية، التي يُفترض أن تكون "طوق نجاة"، لم تمنحها سوى "خيباتٍ"، فبعد رحلةٍ مُضنية لأبنائها لاستلام طحين الذرة الخاص، عادت الأيدي فارغة والقلوب كسرتها رسالة: "نعتذر عن تقديم المساعدة".

لا تتوقف مأساة ديما عند حدود المعدة أو القلب الذي يعاني "ارتجاعاً في الصمّام" يُنهك أنفاسها، بل تمتد لتصل إلى "كهرباء الدماغ"، بتشنجات مفاجئة تضرب جسدها، وتجعل من وجود مُرافقٍ دائم لها ضرورةً لا ترفاً.

في "برزخ" الوجع: الألم مستمر، والمسكنات ممنوعة، والشفاء بعيدُ المنال. والمفارقة المبكية أن الأطباءَ يقفون مكتوفي الأيدي أمام آلام أسنانها وتساقطها، فالتخدير غيرُ مسموحٍ في حالتها، خوفاً من استثارة نوبات التشنج، ولا علاج متاح حيث تنعدم الإمكانيات.

حياةٌ تحت "الصفر الإنساني"

على الجانب الآخر من فراش النزوح البارد، يرقد خالد قلجة، الرجل الذي كانت يداه تعيدان الحياة للحديد "الخردة"، حين كان يعمل "سمكري سيارات". يجد نفسه اليوم أسيرًا لآلامه، بسبب انزلاق غضروفيٍ حاد (ديسك) جعل من ظهره عدواً له، فيما حصوات الكلى تفتك بما تبّقى من طاقته.

ويستذكر في حديثه مع "شبكة نوى" ذكريات مهنةٍ سلبته إياها الحرب، وجسدٍ خانه في وقتٍ كان يحتاج فيه أن يكون "الوتد" لعائلته. ينظر إلى الخيمة التي تفصل بينه وبين منزله المدمر - الذي لا يبعد سوى مئات الأمتار خلف "الخطوط الصفراء"- ويشعر بعجزٍ يفوق ألم الكلى.

خالد وهو نازح من "حي التفاح"، يعلم أن بيته صار أثراً بعد عين، لكن الوجع الحقَّ في نظره، أنه ليس قادراً على شراء "حبة دواء" تسكّن ثوران ظهره، بعد أن ارتفعت الأسعار ارتفاعاً جنونياً.

داخل هذه الخيمة، تلتقي الرطوبة الخانقة صيفاً بالبرد القارس شتاءً، لتصنع مناخاً مثالياً لتفاقم الأمراض. وانعدام الخصوصية يقتل ديما نفسياً قبل المرض، وصوت الرياح الذي يحرك القماش يذكّر خالد في كل لحظة أنه بات "بلا مأوى" ولا "عافية".

انعدام الخصوصية يقتل ديما نفسياً قبل المرض، وصوت الرياح الذي يحرك القماش يذكّر خالد في كل لحظة أنه بات "بلا مأوى" ولا "عافية".

الأبناء، الذين كبروا قبل أوانهم، يحاولون سد الرمق، لكن في غزة، حيث البطالة هي القاعدة والعمل هو الاستثناء، تظل محاولاتهم مجرد "تربيتٍ على الكتف" لا يُغني من جوع ولا يشفي من سقم.

قصة ديما وخالد ليست مجرد تقريرٍ طبي، بل هي "صرخةٌ إنسانية" تخرج من بين ركام النزوح، وقصة حقٍ ضائع في العلاج، وكرامة مهدورة على أعتاب المؤسسات الدولية. هما لا يطلبان المستحيل، بل يبحثان عن "غذاءٍ لا يقتلهما" و"دواءٍ يُسكّن أنينهما"، وعن يدٍ تمتد لانتشالهما من مقبرة القماش، قبل أن يُجهز المرض على ما تبّقى من رمق.