غزّياتٌ يُصلِحن ما أفسدته الحرب في صالة "جيم"
تاريخ النشر : 2026-02-22 09:43

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

صفاء الخور، أمٌ لطفلتين، انضّمت لنادٍ رياضي بعد الحرب بحثاً عن توازنٍ نفسي وجسدي، بعد أن شعرت أن كليهما مستنزفان. كانت تريد بشدة استعادة إحساسها بالحياة والإمساك بزمام قوتها، من أجل تعاملٍ أفضل مع نفسها أولاً؛ ثم مع عائلتها ومحيطها.

قبل اتخاذ هذه الخطوة، كان يغلب عليها التوتر وانخفاض الطاقة، إلا أن صفاء بعد فترةٍ من التزامها بارتياد "الجيم" لاحظت فرقًا واضحًا تحكي عنه بامتنان لـ"شبكة نوى": "أصبح مزاجي أهدأ، ونومي أفضل، وشعورٌ بالخفّة يروق لي، مع أن الظروف لم تتغير"، مؤكدةً أن التمارين الرياضية تمنحها مساحةً للفصل، كي تبتعد عن الضغوط قليلاً، وبها تهدأ الفوضى داخلها رويداً رويداً.

"أصبحتُ أقدّر جسدي أكثر، وأراه شريكًا في الصمود، لا مجرد شكل (..) القوة ليست في التحمّل فقط، بل في الاعتناء بالنفس، رغم كل ما يحدث".

علاقة صفاء بجسدها تغيّرت عمّا كانت عليه سابقًا، وتُبيّن طبيعة التغيير: "أصبحتُ أقدّر جسدي أكثر، وأراه شريكًا في الصمود، لا مجرد شكل". بينما تنظر بارتياح لمكانٍ ترى فيه مُتنفساً ووسيلةً لبناء قوة جسدية ونفسية.

وتصف أثر الرياضة على حياتها بقولها: "صرت أرى نفسي امرأةً قادرة، والقوة ليست في التحمّل فقط، بل في الاعتناء بالنفس، رغم كل ما يحدث". ولا تنكر السيدة ضيق الوقت والتحديات اليومية، إلا أنها تصرّ على المضي قدماً، وقد نجحت في جعل التمرين موعدًا ثابتًا مع ذاتها، حسبما تضيف.

وما توصلّت إليه بعد فترةٍ لا بأس بها من المواظبة: أن "الجيم" طوق نجاة، بواسطته "تتنفس" وتستعيد جزءًا من قوتها، داعيةً النساء إلى خوض التجربة دون انتظار الظروف المثالية.

تحريرٌ للضغوط

محاولة صفاء للنهوض لا تبدو استثناءً. فإسراء عطا الله، خريجة المحاسبة من جامعة الأزهر، وجدت هي الأخرى في النادي الرياضي "ملاذًا نفسيًا" حسب تعبيرها، بعد وقتٍ عصيب من الخوف والتوتر والضغوط أثّر سلبًا على معنوياتها.

 تقول لـ "نوى": "ساءت حالتي النفسية وقررتُ الذهاب للنادي. كنت بحاجةٍ إلى مكان أستعيد فيه هدوئي وتوازني".

وتؤكد أن قرارها في البداية لم يكن مرتبطًا باستعادة رشاقتها بقدر ما كان بحثًا عن طمأنينة مفقودة، مردفةً حديثها: "أصبح الجيم" مساحة نجاة أشعر فيها بالراحة النفسية والجسدية على حدٍ سواء، وأستطيع تفريغ أي توتر أو ضغط".

تحسّنت حالتها بالتدريج، واستردت ثقتها بنفسها وشعورها بالقوة الداخلية قبل أيّ تغييرٍ خارجي، لتنعكس التجربة برّمتها على نمط حياتها، وتغيّرت كذلك علاقتها بصحتها، وباتت أكثر وعيًا بنظامها الغذائي، معقّبةً: "منذ بدأت ممارسة الرياضة صرت أنتبه أكثر لنوعية طعامي".

وتوضح إسراء أن الأهداف المرتبطة بالوزن والقوام جاءت لاحقًا امتداداً لهذا التحول. وفي كل يوم تتحدي ذاتها، ولولا هذا لما تمكنت من المواصلة. إذ لم تعد ممارسة الرياضة بانتظام نشاطًا عابرًا في حياتها، بل ضرورةً أثبتت جدواها في إحداث تغيير نسبي في الحالة النفسية للمرأة الغزية.

وقت لالتقاط الأنفاس

من جهتها، تشيد أمل البرعاوي، مديرة "جيم الجلاء"، بإقبال النساء المتزايد على الأندية الرياضية بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، مؤكدة أن الدافع بات نفسيًا بالدرجة الأولى، ويأتي في إطار التخفيف من الإرهاق والضغوط التي تراكمت على مدار عامين من الحرب، باللجوء إلى الرياضة.

وتشير البرعاوي إلى أنها تتعامل مع حالاتٍ متعددة من الإرهاق وضعف اللياقة، وذلك بإعداد برامج تدريبية متدّرجة تراعي حالة كل سيدة، إلى جانب تقديم إرشادات غذائية ونصائح بشأن الفيتامينات، وتقديم دعم نفسي مستمر، بما يساعدهن على الوصول إلى أهدافهن بطريقة صحية وآمنة.

مدربة: "ارتياد النساء الصالات الرياضية بغزة بدأ يُلاحظ منذ عام 2016. كان الإقبال وقتها محدودًا، ليشهد بعد الحرب تحولًا يعكس تغيرًا في وعي النساء تجاه الرياضة ودورها في الحياة اليومية".

ويضمّ الجيم صالة لياقةٍ بدنية وأخرى للحديد، في محاولةٍ لتلبية الاحتياجات المتنوعة للسيدات، وسط تحدياتٍ أبرزها غلاء الكهرباء، مستدركةً حديثها: "ومع ذلك نسعى إلى توفير بيئة مريحة وآمنة، تمكّن النساء من الانفصال ولو لوقت قصير عن مشاكل الواقع التي لا تنتهي".

ارتياد النساء الصالات الرياضية بدأ يُلاحظ منذ عام 2016، وكان الإقبال وقتها محدودًا، ثم أخذ يتزايد تدريجًيا عام 2020، ليشهد بعد الحرب تحولًا لافتًا يعكس تغيرًا في وعي وثقافة النساء تجاه الرياضة ودورها في الحياة اليومية، وفقاً لرأي المدربة.

مرت نساء غزة بالعَجب العُجاب في أثناء حرب الإبادة، التي لم تنتهِ آهاتها بعد. ورأى جزءٌ منهن أن التقاط الأنفاس أبسطُ حقّ على النفس، وكانت ممارسة الرياضة إحدى هذه الأبواب، التي طرقنها، ووجدن فيها شيئاً من الترفيه، وتكوين الصداقات، وتبادل المعرفة، والتحايل على الضغوط اليومية، والموازنة بين أعباء قاسية والعمل بنصيحة "اعتنِ بنفسك".