غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تعد المسافة في حياة العدّاءة الشابة رزان خيرة طريقًا يُقاس بالكيلومترات، بل امتحانًا يوميًا للصبر. العدّاءة التي كانت الأرض تحفظ إيقاع خطواتها، صارت تتعلّم كيف تفاوض الألم في كل خطوة قصيرة، كأنها تعبر سباقًا بلا خط نهاية.
بعد أن كانت تقطع مئات الأمتار في دقائق، أصبحت تناضل لتجتاز أمتارًا قليلة، وكأن الطريق الذي كان صديقها القديم تحوّل فجأة إلى خصمٍ لا يرحم.
"كنتُ وحدي، لا أحد إلى جواري، بينما الطبيب يواصل بتر ما تبقّى من قدمي. لم أجد سوى فتاةٍ على سريرٍ مجاور، فأمسكتُ بيدها. كنت بحاجة إلى من يربّت على قلبي قبل جسدي".
في فجرٍ لم يسبقْه إنذار، استيقظت رزان على الأرض تهتز من حولها؛ صراخٌ يتصاعد، وقصفٌ يمزّق السكون، ومنزلٌ ينهار على من فيه. حاولت أن تجري حين كان الركض لغتها الأولى في مواجهة الخوف، غير أن جسدها لم يستجب كما اعتاد.. حاولت الوقوف، فخانتها قوتها.. نظَرت إلى الأسفل، فرأت ساقًا واحدة! في لحظةٍ انقطع الطريق الذي كانت تحفظه عن ظهر قلب، ومضت في طريقٍ آخر لا يشبه الحلم الذي لطالما هرولت فيه "عداءةً" في ملاعب غزة.
كانت تنزف، فيما الأطباء يخوضون سباقًا من نوعٍ مختلف لإنقاذ حياتها. لم يكن ثمة وقت للذهول، ولا فسحة للبكاء. كان القرار أسرع من الألم: بترٌ عاجل كي تبقى على قيد الحياة.
وبين غياب الوعي وحضوره، كانت فكرة واحدة تخترق الضباب بإلحاح: "كنت أريد أن أجري فقط"، تقولها كأنها تعتذر عن حلمٍ بدا فجأة أكبر من قدرتها على التخيل.
تعود إلى تلك اللحظات بصوتٍ يرتجف: "كنتُ وحدي، لا أحد إلى جواري، بينما كان الطبيب يواصل بتر ما تبقّى من قدمي. لم أجد سوى فتاةٍ على سريرٍ مجاور، أمسكتُ بيدها. كنت بحاجة إلى من يربّت على قلبي قبل جسدي، من يخفف عني وطأة ما يحدث".
في تلك الغرفة، لم يكن الألم فرديًا، بل كان جماعيًا، يتوزع على الأسرّة كما يتوزع الخوف في مدينةٍ كاملة.
تقول: "لم يكن البتر جسديًا فقط، بل كان بترًا لشعور الاستقلال الذي عشت عليه. منذ طفولتي كنت أشارك أبي وعمّي الجري في الملاعب، وحين كبرت اعتدت أن أنطلق وحدي، أركض لمسافات طويلة ولا أبالي. اليوم تغيّر كل شيء، أصبحت بحاجة إلى يدٍ تسندني في أبسط تحركاتي".
وتتابع بغصّةٍ لا تخفيها: "في مثل عمري هذا، كان يفترض أن أركض نحو مستقبلي. اليوم لا أستطيع الخروج دون أمي. أشعر أن جزءًا من روحي غاب مع ساقي".
كانت كلماتها لا تصف فقدان طرفٍ فحسب، بل تصف انكسار إيقاعٍ كاملٍ كانت تبني عليه حياتها، وكأن الزمن نفسه تعثّر معها عند تلك اللحظة.
لم تفقد رزان ساقها وحدها؛ فقدت بيت العائلة، هاتفها، صورها، ميدالياتها، وذكرياتها. كل ما كان يثبت أنها كانت هنا، تركض وتحلم، تلاشى تحت الركام.
"فقدتُ ساقي، لكنني لم أفقد إرادتي (..) صحيحٌ أن الحرب غيّرت حياتي، لكنها لم تسرق حلمي. سأعود يومًا إلى الركض، ليس في غزة فقط، بل سأصل إلى العالمية".
وكأن الحرب لم تكتفِ بمحو تفاصيل المكان، بل حاولت محو السيرة الصغيرة لفتاةٍ كانت ترى العالم من شارة انطلاق.
ومع ذلك، حين يُذكر المستقبل، يتبدّل صوتها.. يشتدّ، ويستقيم كما لو أنه يستعيد توازنه: "فقدت ساقي، لكنني لم أفقد إرادتي (..) صحيحٌ أن الحرب غيّرت حياتي، لكنها لم تسرق حلمي. سأعود يومًا إلى الركض، ليس في غزة فقط، بل سأصل إلى العالمية".
وتستدرك بإصرارٍ هادئ: "لكن تحقيق الحلم يحتاج إلى فرصة للسفر لاستكمال العلاج، وإلى طرفٍ صناعي يعيدني إلى طريق الحلم، وإلى حياتي التي سلبتها الإبادة".
تختار رزان اليوم أن تجري بما تبقّى من إرادة، كأنها تقول للعالم "إن السباقات الحقيقية لا تُقاس قوة الأقدام، بل بما يظلّ حيًا في القلب".
تقف رزان اليوم أمام خط انطلاقٍ جديد. المسافة أطول، والطريق أشدّ وعورة، والجسد لم يعد كما كان، غير أن روح العدّاءة في داخلها لا تعرف التراجع، ولا تعترف إلا باتجاهٍ واحد: إلى الأمام.
وبين فقدان ساقٍ وبقاء حلم، تختار أن تجري بما تبقّى من إرادة، كأنها تقول للعالم "إن السباقات الحقيقية لا تُقاس بالأقدام، بل بما يظلّ حيًا في القلب".
