غزّة تقتطع من الركام "ضوءًا" يكفي لتسمية الليل.. "رمضان"
تاريخ النشر : 2026-02-18 10:17

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في غزة، حيث تتكدّس مخلفات النزوح حول الخيام، تولد حكاياتٌ كبيرةٌ من أبسط الأشياء: كرتونة مساعدات فارغة، وعبوة مشروب بلاستيكية، وحبلٌ مهترئ، تجمعها يدٌ فتتحول إلى فانوسٍ يضيء ليلًا مثقلًا بذكريات بالحرب.

على مدار أسابيع طويلة، كانت ريهان شراب، من مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تجمع كراتين المساعدات الفارغة بعينٍ ترى ما هو أبعد من كونها مجرد ورقٍ مُقوّى. كانت تهيئ نفسها لاستقبال رمضان، كما تفعل كل عام، تصنع الفوانيس الورقية كهوايةٍ قديمة تحولت مع الزمن إلى مصدر دخلٍ يعينها على مصاعب الحياة.

في السنوات الماضية، اعتادت ريهان استخدام الأوراق الملونة والأخشاب في أعمالها اليدوية، لكن ندرتها اليوم، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال كثير من المواد إلى القطاع، دفعتها للبحث عن بدائل. لم تجد سوى كراتين المساعدات التي توزعها المؤسسات الدولية على النازحين، فقررت أن تنتزع منها شكلًا جديدًا للحياة.

تخبرنا ريهان أن تمسكها بصناعة الفوانيس قبيل شهر رمضان، حتى في أقسى الظروف، ليس مجرد عمل يدوي، بل موقف، "أصنعها لأؤكد أنني مقبلة على الحياة رغم كل المآسي، ولأدخل البهجة إلى قلوب الناس، خاصة الأطفال، مع قدوم الشهر" تعلق.

تستعيد بذاكرتها تفاصيل ما قبل الحرب، وتقول: "أجواء غزة كانت من أجمل الأجواء، الشوارع والمنازل تتزين بالفوانيس والأضواء احتفاءً برمضان. أما اليوم فاختلف الحال، صار من النادر أن نشاهد الفوانيس، لأن الاحتلال دمر كل شيء، وفوق ذلك يمنع الاستيراد من الخارج".

أكثر ما يرهقها ليس التعب، بل نقص المواد الخام وانقطاع الكهرباء. تعتمد على الطاقة الشمسية التي لا تمنحها سوى ساعتين من العمل يوميًا، ما يجعل إنتاجها محدودًا، ومع ذلك، تواصل القصّ واللصق والتلوين بإصرار، كأنها تقاوم العتمة بيديها.

ريهان، كغيرها من أبناء غزة، عاشت النزوح بكل تفاصيله القاسية. أقامت مع عائلتها داخل خيمة لأشهر طويلة، وقضت رمضان الماضي هناك. تضيف بابتسامة لا تخلو من تحدٍّ: "رغم أنني كنت في خيمة العام الماضي، صنعتُ الفوانيس بالإمكانات المتاحة، وأدخلت الفرح على من حولي (..) في الخيمة الضيقة، كان الفانوس أكبر من المساحة، وكأنه كان يخبرنا أن الروح أوسع من المكان".

وفي أحد مخيمات النزوح القريبة بمنطقة مواصي خانيونس جنوبي القطاع، كان هناك مشهد آخر يُنسج من ذات الخامة: البساطة.

مجموعة من الشبان قرروا ألا يمر رمضان بلا زينة، ولو كانت مصنوعة من بقايا احتياجات البقاء. بسبب ندرة الفوانيس والزينة في الأسواق، ابتكروا فكرة صناعة فوانيس من عبوات المشروبات الغازية الفارغة، قصّوها بعناية، ولوّنوها، وثبّتوها بالحبال بين الخيام.

عشرات الفوانيس الصغيرة تمايلت مع نسيم البحر، لتصنع مشهدًا أدهش الكبار وأشعل عيون الأطفال بالفرح.

يقول محيي قديح، أحد هؤلاء الشبان: "إن الفكرة جاءت لإدخال السرور على أهل المخيم والاحتفال بقدوم الشهر المبارك. نحن لا نملك المال لشراء الزينة، فصنعناها بما هو متوفر بين أيدينا وبأقل التكاليف".

شارك سبعة شبان في صناعة الفوانيس، وحين بدأوا بتعليقها، تجمّع الأطفال حولهم، يرددون أغاني رمضان المعروفة، وكأنهم يستعيدون جزءًا مسروقًا من طفولتهم. يضيف قديح: "المشهد أعاد إلينا شيئًا من تفاصيل استعدادات الأيام التي سبقت الحرب".

قبل الإبادة، كانت عائلة محيي تعيش في بيت كبير ببلدة خزاعة شرقي خان يونس، وقبيل رمضان، كانوا يعلقون مختلف أنواع الزينة، ويضعون فانوسًا كبيرًا في وسط حديقة المنزل يظل مضيئًا طوال ليالي الشهر.

"كانت طقوس رمضان جميلة جدًا"، يقول، قبل أن يتوقف قليلًا، ثم يكمل بحرقة: "الحرب قتلت كل جميل، خاصة في العامين الماضيين، إذ جاء رمضان ونحن تحت القصف والقتل، ولم يكن هناك متسع للفرح".

هذا العام، ومع سريان وقف إطلاق النار، وجدوا فرصةً صغيرةً للتعبير عن فرحتهم بما لديهم من إمكانيات متواضعة. لم يعودوا يملكون الحديقة ولا الفانوس الكبير، لكنهم يملكون إرادة أن يعلّقوا ضوءًا بين خيمتين، وأن يقولوا للعالم إن رمضان في غزة لا يُختصر في الخراب.

هكذا، تتحول مخلفات النزوح إلى فوانيس، ويتحوّل الكرتون والبلاستيك إلى رسالة صامتة تقول (إن غزة، مهما أُغرقت في العتمة، قادرة على أن تقتطع من الركام ضوءًا يكفي لتسمية الليل رمضان).