يد "التطهير العرقي" تضرب شلّال العوجا
تاريخ النشر : 2026-02-10 08:39

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يخطر يوماً ببال الشاب هيثم الرشايدة، الذي يقطن مع أسرته تجمعَ "شلال العوجا" البدوي، أنه سيضطر للرحيل عن المكان الذي وُلد وعاش فيه، كما عاشَ فيه أباه وجده، وكان يتمنى أن يضع نُواةً لأسرته فيه أيضًا.

 وما خطرَ له أيضاً أن البؤرة الاستيطانية التي أنشأها مستوطنٌ قبل سنتين تقريبًا، بالقرب من أرض تجمّع شلال العوجا البدوي، والشاحنات التي زودّته بعددٍ كبير من الجِمال والأغنام، ستحيل حياتهم جحيمًا لا يُطاق، فهذا المستوطن لا ينفك عن محاولاته الحثيثة، برفقة مستوطنين آخرين، للسيطرة على الأرض ونبع الماء.

يقول الرشايدة لـ"شبكة نوى": "ما نراه من اعتداءاتٍ واستفزازاتٍ يومية، يضغط علينا جميعاً للرحيل قسرًا عن أرضنا، ويُعطل مسار حياتنا الذي اعتدناه. وبالمختصر يقودنا نحو أزمة إنسانية مزدوجة في الحقوق والموارد".

تهجيرٌ لافت في وقت قياسي

في استهدافٍ واضحٍ للديموغرافيا والجغرافيا، تستحق معاناة سكان تجمع "شلال العوجا" في الأغوار الفلسطينية التوقف، وهم بدوٌ استقروا في المنطقة منذ عقود، وبعض العائلات تعيش هناك منذ أكثر من جيلين، ويعتمدون في معيشتهم على رعي الأغنام والزراعة التقليدية.

هُجّرت عشرون عائلة، تضم 129 فردًا من تجمع شلال العوجا البدوي في يناير الماضي، بعد اعتداءاتٍ كثيفة من المستوطنين على أهالي التجمع ومصادر رزقهم.

ويعد "شلال العوجا" أحد أبرز التجمعات البدوية الواقعة شمال مدينة أريحا في الضفة الغربية، ويعتمد على "نبع العوجا" التاريخي ضمن محمية طبيعية.

وفقًا لتقارير رسمية صدرت عن منظمة البيدر الحقوقية، فإن 84 تجمعاً بدوياً هُجّروا في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى فبراير 2026.

وسُجّل 5980 اعتداءً وانتهاكاً على تجمعات بدوية فلسطينية من المستوطنين عام 2025، علماً أنه قد هُجّرت عشرون عائلة، تضم 129 فردًا من تجمع شلال العوجا البدوي في يناير الماضي، بعد اعتداءاتٍ كثيفة وتهديدات متواصلة من المستوطنين لأهالي التجمع ومصادر رزقهم، في حين تغيب أشكال الحماية كافة.

وفي وقت سابق كان يسكن التجمع 120 عائلةً رُحلّت كاملةً، وكثيرون منهم مُنعوا حتى من فك "بركساتهم"- منشآت مُصنّعة من موادٍ خفيفة وعازلة وسريعة التركيب- وحمل حديدها معهم.  

وبالعودة إلى حديث هيثم الرشايدة، فإن التعديات التي تحدث أثرّت سلباً على السكان، "بدءاً بمنعهم من رعي أغنامهم في محيط عين العوجا، حيث يهاجم المستوطنون الرعاة ويعتدون عليهم كلما اقتربوا من الماء والمراعي، فيما أخذت وتيرة الاعتداءات تتصاعد يومًا بعد آخر، لتطال البيوت بالحرق، والأغنام و"التركتورات" والسيارات بالسرقة، والمدرسة بالهدم، وخطوط الماء وأسلاك الكهرباء بالقطع، والطرق بالتخريب والإغلاق، والنساء والأطفال بالاعتداء والضرب".

 وكاد ينفجر من الغضب عندما قال: "سُرق مني ومن والدي أربعمئة رأس من الغنم، عايشين من قلة الموت".

"لا ماء ولا كهرباء، ولا خدمات للعلاج أو التعليم. لدي ثمانية إخوة في سن المدرسة، يجلسون في البيت دون تعليم، لا نستطيع إرسالهم إلى المدارس، كونها بعيدة جدًا، والطريق ترابية وعرة".

عائلة هذا الشاب، نزحت بعد منتصف يناير الفائت إلى منطقة "البلقا" الجبلية المقفرة، حيث لا تتوفر فيها أي خدمات، مسترسلاً في حديثه: "لا ماء ولا كهرباء، ولا خدمات للعلاج أو التعليم. لدي ثمانية إخوة في سن المدرسة، يجلسون في البيت دون تعليم، لا نستطيع إرسالهم إلى المدارس، كونها بعيدة جدًا، والطريق ترابية وعرة وكذلك خطرة بسبب اعتداءات المستوطنين".

أما تلّقي العلاج، فهو بحد ذاته مشكلة، موضحاً: الأمر يحتاج إلى استعدادٍ مسبق، ونضطر للذهاب إلى مدينة أريحا. أذكر أن إحدى نساء العائلة كانت حاملًا، خشينا أن تباغتها الولادة ليلًا فنفقدها مع جنينها، لذا أرسلناها إلى أقارب في أريحا إلى حين أن تضع مولودها".

يستخدمون أقذر الأساليب  

تؤكد الأمم المتحدة أن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة "غير قانوني"، ويدخل تهجير تجمع "شلال العوجا" البدوي ضمن انتهاكات أحكام القانون الدولي الإنساني، لا سيما المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري الفردي أو الجماعي للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة.

وما يثير الحنق أكثر، وصف أعمال المستوطنين بـ "البطولية" من قِبل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، عندما زار شلال العوجا نهاية العام الماضي، مؤكدًا دعمه لسلوك المستوطنين، ومجدداً دعوته إلى الاستمرار في مصادرة أراضي المنطقة.

التقينا بأم سليمان، وهي أمٌ لأربعة أطفال، لجأت برفقة أسرتها إلى التجمع البدوي في "الجفتلك"، بعد اضطرار عائلتها للرحيل عن تجمع شلال العوجا الذي عاشت فيه حياتها. تحكي لـ "نوى": "أصبحنا نخشى على حياتنا وحياة أولادنا. المستوطنون يقتحمون التجمع ليلاً ونهارًا، وينهالون علينا بالضرب ويهددوننا بالقتل إذا ما بقينا".

أساليب عدة استخدموها لـ"تطفيشهم"، حسب تعبيرها، منها إدخال الجِمال إلى بيوتهم، وإطلاق الأغنام في حقول السكان كي يأكلوا الزرع، ورشّ المزروعات بمواد سامة تحرقها، إضافة إلى سرقة الأدوات الزراعية، وإحراق "البركسات" بالأغنام التي فيها.

 يحترق قلبها وهي تقول بلهجتها البدوية المحببة: "حنّا البدو نعتمد في معيشتنا على الزراعة وتربية المواشي، وما عندنا إشي ندافع فيه عن نفسنا، ولا حدا معنا غير بعض المتضامنين اللي ما يسلمو من الاعتداءات، حياتنا كلها رعب برعب".

"أوضاعٌ مأساوية" تعيشها الأغوار الفلسطينية، كما وصفها حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو في فلسطين، جراء التطهير العرقي للقرى والتجمعات البدوية.

"مطلع الشهر الماضي، حاصر المستوطنون سكان تجمع "شلال العوجا" لأسبوع كامل، وأمهلهم مستوطن مسؤول حتى نهاية الأسبوع لإخلاء المنطقة، وإلا فسوف يحرقون بيوتهم وممتلكاتهم".

ويضيف: "في مطلع يناير 2026، حاصر المستوطنون سكان تجمع "شلال العوجا" لأسبوع كامل، وأمهلهم مستوطن مسؤول حتى نهاية الأسبوع لإخلاء المنطقة، وإلا فسوف يحرقون بيوتهم وممتلكاتهم، ولأن السبل ضاقت أمامهم، وغابت أشكال الدعم والحماية؛ أُجبروا على الرحيل قسراً حفاظاً على حياتهم".

ويأسف المشرف العام لمنظمة البيدر، لحال التجمعات والقرى البدوية في الأغوار التي تُركت وحيدةً في خوض معركة غير متكافئة، تواجه فيها جيش الاحتلال النظامي وجيشاً مسلحاً من المستوطنين يرتدون زيًا مدنيًا. وعلاوة على ذلك، والكلام له، أصبح سكانها عرضةً لسياسة "إفقار ممنهج"، يتصدّون لها بالاحتجاج والتواصل مع منظمات حقوقية، لكن الضغط اليومي والهجمات المتكررة تجبرهم على الانسحاب في نهاية المطاف.