بالخيِّرين.. مخيماتٌ للنازحين تحاول أن تصبح بخير
تاريخ النشر : 2026-02-10 08:24

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في أرضٍ لم تجف من قطرات العرق الذي تصبَّب عن جبين أجيالٍ متلاحقةٍ من عائلة المزارع محمد سميح جعرور، الذي كان منهمكاً ذات صباحٍ في الحفر؛ استعداداً لزرعٍ جديد، تبدلت أشتال الحمضيات والزيتون بقضبانٍ حديدية، تُشدّ إليها أوتاد خيمة، لأسرةٍ فقدت منزلها إبّان حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

هذا المزارع، برغم ما حلَّ به، فكرَّ كيف له أن يغرس "فسيلة" من نوعٍ مختلف، ورأى أنه يمكنه فعل الكثير، فقرَّر التبرع لإنشاء مركز إيواء على مساحة أربعة دونمات من أرضه، لتنتفع منه الأسر التي خسرت بيوتها في الحرب.

بدأت المبادرة باستضافة عشر خيام لأسر صغيرة من عائلة جعرور وجيرانها، وسرعان ما امتدت لتتجاوز ستين خيمة تؤوي أسراً من عائلات ومناطق مختلفة، لتظهر معها بوادرُ مجتمعٍ صغير يتعاون أفراده فيما بينهم، في سبيل التخفيف عنهم من شظف العيش وصعوبات الحصول على مقومات الحياة الأساسية.

بدأت المبادرة باستضافة عشر خيام لأسر صغيرة من عائلة جعرور وجيرانها، وسرعان ما امتدت لتتجاوز ستين خيمة تؤوي أسراً من عائلات ومناطق مختلفة.

يحكي محمد جعرور لـ"شبكة نوى": "ورثتُ هذه الأرض من أبي عن أجدادي. عملنا على زراعتها ورعاية أشجارها منذ عشرات السنين، لكن الحرب الإسرائيلية أبادت كل شيء، ورغم قدرتي على إعادة زراعتها من جديد، إلا أنني قررت التخفيف عن أبناء عائلتي والحي الذي أعيش فيه ممّن تدّمرت بيوتهم، بأن أستضيفهم للإيواء في أرضي الواقعة في حي الدرج وسط مدينة غزة، دون أي مقابل".

لم تكن هذه الخطوة من منطلق يُسر الحال وعدم الحاجة، كما يقول، بل بدافع التيسير عمن يشاركونه حالته من معاناة النزوح ودفع الإيجارات الباهظة مقابل الإيواء، بعد خسارة معظم أهالي قطاع غزة مصادر رزقهم؛ بسبب الحرب.

مهام مُوزّعة وخطوات مؤثرة

وتشير تهاني عطالله، عضو لجنة إدارة المخيم، الذي أُطلق عليه اسم "المغربي"، ومشرفة المبادرات فيه، إلى أن مبادراتهم التي انطلقت بجهود فردية وجماعية، عملت على توظيف قدرات كل نازح داخل المخيم، في سبيل تحسين ظروف التعايش الجماعي مع الواقع الأليم، مضيفةً: "التنوع في المهارات التي تتوافر في النازحين داخل مخيمنا، ساعدنا على تحقيق إنجازات نوعية".

هنالك من تولَّى مسؤولية توفير المياه للاستخدام اليومي، وذلك بصيانة خط المياه الذي تضرَّر جراء قصف الاحتلال الإسرائيلي، وآخرون يتولون مهام الصيانة الدورية للخيام المهترئة أو المتضررة في المنخفضات الجوية، وبعضٌ آخر من الشباب استثمر مهارات الاتصال لديه في التواصل مع المؤسسات المختلفة، لتوفير الدعم الغذائي واللوجستي من تكية طعام أو خيامٍ لإيواء النازحين الجدد.

أما الإنجاز الأكبر، حسب رأيها، تجسّد في افتتاح نقطةٍ تعليمية ومركزٍ لحفظ القرآن الكريم، يتطوع للعمل فيهما مُعلمات ومعلمون من نزلاء المخيم، وفقاً لتخصصاتهم الجامعية.

تقول عطاالله: "رغم بساطة الإمكانيات وشُحّ القرطاسية والأدوات اللازمة للتدريس، إلا أنها كانت خطوةً مؤثرة لتعويض الفاقد التعليمي، وإعفاء أولياء الأمور من تكاليف إرسال أبنائهم للدراسة في مراكز التعليم الخاصة، التي تفوق قدراتهم المالية".

ومن جهته، يقول أبو رفيق جعرور رئيس لجنة إدارة المخيم: "كل ما نقوم به هو أنشطة قائمة على التطوع الذاتي، دون أي بدلات مالية أو رعاية مؤسساتية، وهذا ليس بغريب على الشعب الفلسطيني، فالتكافل والالتفاف المجتمعي كان ولا يزال قارب الإنقاذ الشعبي للتعايش مع الأزمات".

ويؤكد جعرور عزمه ورفاقه على المواصلة، طامحين إلى إنشاء نقطةٍ طبية لخدمة المنطقة كلها، مضيفاً: "لدينا حكيمٌ وممرضة داخل المخيم استعدوا للتطوع لتشغيلها".

ويرى أن هذه الخطوات، مع إيجابيتها وأهميتها، لا يمكن أن تعوّض غياب دور المؤسسات الرسمية في توفير مقومات الحياة الأساسية، عادًّا أن كل المحاولات البنّاءة تسعى للتعايش مع الوضع الطارئ، أما التعافي الحقّ يتطلب إعادة الإعمار، وتفعيل المؤسسات الحكومية والدولية التي يقع على عاتقها القيام بواجباتها تجاه المجتمع".

ولم يُشكّل الأنموذج السابق حالةً فردية استثنائية، بل شهدت مخيمات إيواء النازحين المنتشرة فيما تبّقى من مساحة قطاع غزة، خارج مناطق الخط الأصفر، أشكالاً متنوعة للتكافل المجتمعي، تتعاون فيها الأسر والأفراد في سبيل إسناد بعضهم البعض، وتجاوز التحديات المعيشية.

"لا أنساها لهذا السائق"

سهام أبو طير، نازحة في منطقة المواصي في خانيونس، أُصيب زوجها أمام مركز المساعدات الأمريكية منتصف العام الماضي. تحكي لـ"نوى" قصتها: "كان التحدي الأصعب أمامي يتمثل في نقله مرتين أسبوعياً إلى مستشفى ناصر، للتغيير على جروح قدمه المبتورة، فخيمتنا بعيدةٌ عن الشارع الرئيس، والمواصلات صعبة، وفي كثير من الأحيان لم أستطع توفير أجرة السيارة".

"نؤثر أكثرَنا احتياجاً.. على سبيل المثال، عندما يتعلق الأمر بالحصول على المساعدات للمخيم، فالأولوية للأطفال الذين فقدوا كلا أبويهم أو أحدهما، أو للأسر التي لا تملك معيلاً".

هذا الموقف الإنساني، دفعَ أحدَ جيرانها الذي يعمل سائقَ أجرة إلى التبرع بنقل زوجها ذهاباً وإياباً، في كل موعدٍ للغيار الطبي. وتبدو ممتنةً له إذ تخبرنا: "كان يحفظ مواعيد "الغِيار" مثلنا تماماً، ويأتي دون أن نرسل في طلبه. مُخصصاً المقعد الأمامي في سيارته لزوجي، بينما أجلس أنا مع بقية الرّكاب في الخلف، وفي موعد عودتنا يأتي للمستشفى ليُقلّ الرّكاب عن البوابة، وينطلق بنا مرةً أخرى".

وتعتز أبو طير، بهذا الترابط الإنساني بين النازحين، وتعدّه "سمةً غالبة يتشارك فيها الجميع بما لديهم، لدعم الأكثر احتياجاً منهم"، وتشرح ما تعنيه: "نؤثر أكثرَنا احتياجاً على الأقل، على سبيل المثال، عندما يتعلق الأمر بالحصول على المساعدات المقدمة من أي جهة للمخيم، فالأولوية للأطفال الذين فقدوا كلا أبويهم أو أحدهما، أو للأسر التي لا تملك معيلاً أو مصدر رزق".

"حتى الأغراض الخاصة من ملابس وأغطية، وعلى قلّتها، ستجد من يتبرع بها لأسرةٍ خسرت مقتنياتها أو غرقت بمياه الأمطار".

ومن أبهى صور الإيثار أيضاً، أنه حتى الأغراض الخاصة من ملابس وأغطية، وعلى قلّتها، ستجد من يتبرع بها لأسرةٍ خسرت مقتنياتها أو غرقت بمياه الأمطار، تقول السيدة.

كل ذلك، ليس غريباً على شعبٍ يُشبه في أصالته؛ أرضَه المروية بالعَرق الذي سالَ في فلاحتها، وأنهار الدم التي خضّبتها دفاعاً عن الحرية والاستقلال والعيش الكريم. وحتى لو اختلفت تركيبة التربة أو طالتها أمواج التصحر، ستبقى غنيةً بمعادنها، قابلةً للاستصلاح، وقادرةً على إنتاج أطيب الثمار، مهما تلّوثت البيئة من حولها.