غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تبدو الأسواق في قطاع غزة، كأنها تدوسُ ببطءٍ محسوب فوق جيوبٍ أنهكتها الحرب. على جانبي الطرقات، تمتدّ البسطات كأنها محطات انتظار مؤقتة، أكياس صغيرة من البقوليات، ربطات بقدونس شاحبة، وصناديق طماطم لا تشبه ما اعتاده الناس من لونٍ وطعم.. لا شيء ثابت هنا سوى السؤال الذي يتكرّر بهدوء: "بكم اليوم؟".
يُقال السؤال بصوتٍ منخفض، ثم يُعاد بصيغةٍ أخرى: "كم السعر اليوم؟"، ثم يُختَم غالبًا بصمتٍ قصير، قبل أن يمضي السائل خطوة أو خطوتين، لا ليشتري بالضرورة، بل ليقارن، أو ليؤجّل، أو ليختبر قدرته على الاحتمال.
منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، لم تقفز أسعار الاحتياجات الأساسية فجأة، بل تحرّكت على نحوٍ زاحف. ومع إعلان الهدنة في أكتوبر 2025، انخفضت الأسعار قليلًا، قبل أن تعود إلى الارتفاع التدريجي، على مهلٍ لافت، كما يحدث الآن في فبراير 2026م.

"كل يوم رقم مختلف قليلًا، وكل أسبوع هامش جديد، إلى أن وجد الناس أنفسهم أمام واقعٍ لا يتذكّرون متى بدأ تحديدًا"، يقول عصام الخليلي، بائع الخضار الخمسيني، وهو يحاول معايرة ميزانه بدقة.
ويضيف: "يظنّ الناس أن التاجر هو من يرفع الأسعار، لكنني أنا نفسي أشتري كل يوم بسعر مختلف. كيلو البطاطس الذي كان قبل شهر بخمسة شواكل، أصبح اليوم بعشرة، وأحيانًا أكثر".
يتوقف لحظة، يراقب امرأة تسأل ثم تبتعد، ويضيف بنبرةٍ مثقلة: "المشكلة ليست في الغلاء مرة واحدة، بل في أنه يزداد قليلًا كل يوم. أنا بائع، وأشعر بالأسى على كل من يسأل ولا يملك ثمن الشراء، خصوصًا عندما يكون برفقته طفل يتأمّل الخضراوات".
بائع خضار: "البضائع تصل متقطّعة، وتكاليف النقل تتغيّر باستمرار، وبعض الأصناف تختفي لتعود بدائلها بأسعار أعلى. لا أحد يفهم الصورة كاملة، ولا أحد يتوقّع إلى أين يمكن أن تصل الأمور".
لا يتحدّث عصام بلغة الأرقام الدقيقة، بل بلغة الإحساس بالاختلال. فالميزان أمامه قد يبدو متساوي الكفتين، غير أن الحركة من حوله لا تشبه التوازن.
يشرح أن البضائع تصل متقطّعة، وتكاليف النقل تتغيّر باستمرار، وبعض الأصناف تختفي لتعود بدائلها بأسعار أعلى. ويتابع: "لا أحد يفهم الصورة كاملة، ولا أحد يتوقّع إلى أين يمكن أن تصل الأمور مع تصعيد الاحتلال الذي لا يتوقف. الجميع هنا يخشى عودة المجاعة من جديد".
على بعد أمتار، تقف أسماء عطية، في الأربعينيات من عمرها، تمسك ورقة صغيرة دوّنت عليها احتياجات بيتها. لا تنظر مباشرة إلى البسطات، بل إلى الورقة، ثم إلى الأسعار، ثم تعود إلى الورقة، كأنها تفاوضها.
تقول: "لم آتِ للشراء، بل للاستطلاع. وإذا سمحت الظروف، سأشتري بعض الخضراوات. أمّا الفواكه، فسننتظر انخفاض أسعارها. لقد اعتدنا على القليل، ولم يعد وجودها ضروريًا، حتى وإن اشتهيناها".
وتوضح أسماء أن الطبخة التي تُحضّرها لأطفالها الخمسة لم تعد تُبنى على الرغبة، بل على الأرخص في السوق. فالحرب، كما تصف، غيّرت شكل الأحلام اليومية، حتى صار الناس يحلمون بطبخةٍ مكتملة المكونات، في ظل الحصار وارتفاع الأسعار.
وتصف شعورًا يتكرر معها: "لم أستيقظ يومًا وأقرر أنني لم أعد أستطيع الشراء، لكنني أجد نفسي فجأة أشطب صنفًا، ثم صنفًا آخر، ثم أقلّل الكمية".
"حين لا تعرف إلى أين يتجه السعر غدًا، تصبح كل خطوة محسوبة أكثر من اللازم. حتى السؤال نفسه صار مكلفًا، يكلّفنا نظرة بائعٍ ملّ من الإجابة دون زبائن يشترون".
في زاويةٍ من ساحة السرايا، وسط مدينة غزة، يجلس سامر غنيم، شاب في أواخر العشرينيات، يعمل بالأجر اليومي حين تتوفر الفرصة. لا يحمل كيسًا، بل هاتفًا قديمًا يحسب عليه نفقاته.
يسخر من الواقع قائلًا: "الدخل ثابت إن وُجد، أمّا المصروف فغير ثابت، ودائمًا في ارتفاع. كل شيء يرتفع، والإنسان وحده تهبط قيمته هنا".
ويضيف مفارقة يعيشها يوميًا: "في السابق، كنت أعرف كم أنفق شهريًا. اليوم أعرف كم أنفق أسبوعيًا، وأخشى حساب الشهر".
يربط سامر الغلاء بحالة عدم اليقين؛ فليس ارتفاع الأسعار وحده ما يضغط، بل غياب القدرة على التوقّع. "حين لا تعرف إلى أين يتجه السعر غدًا، تصبح كل خطوة محسوبة أكثر من اللازم. حتى السؤال نفسه صار مكلفًا، يكلّفنا نظرة بائعٍ ملّ من الإجابة دون زبائن يشترون".
في نهاية يومٍ عادي تحت إبادةٍ تُسمّى مجازًا "هدنة"، لم تعرف يومًا دون قصف أو عمليات نسف، تُطوى بعض البسطات وتبقى أخرى. لا لافتة تُعلن التغيير، ولا رقم نهائي يُغلق النقاش. فقط سؤال يعود في صباح اليوم التالي: "بكم اليوم؟". سؤال يبدو بسيطًا، لكنه بات ثقيلًا في واقعٍ صار تعقيده هو القاعدة.
